علي عبدالله الشوكي.. لم يكن مجرد جار، بل أخًا عزيزًا غيّبه الموت وترك في القلب وجعًا لا تصفه الكلمات
الأربعاء - 04 نوفمبر 2026 - 08:00 م
صوت العاصمة/ ذياب الحسيني
بقلوب يعتصرها الألم، وبمشاعر يثقلها وجع الفقد، ننعى استشهاد الشاب البطل علي عبدالله محمد مثنى الشوكي، الذي ارتقى شهيدًا اليوم في جبهة الضالع، تاركًا خلفه حكاية إنسانية تختزل معاني النبل والشهامة، وسيرة شاب جمع بين طموح الحياة وشرف التضحية، وبين أحلام المستقبل وثبات الموقف.
وبهذا المصاب الأليم، نتقدم بأصدق التعازي وأبلغ المواساة إلى إخوانه مختار، ورياض، وشمسان، ووحيد، والدكتور محمد، وأنور، ومحفوظ عبدالله محمد الشوكي، وإلى جميع أفراد أسرته الكريمة وأهله ومحبيه، سائلين المولى عز وجل أن يربط على قلوبهم، ويعظم أجرهم، ويلهمهم الصبر والسلوان.
أما علي الشوكي، فلم يكن بالنسبة لي مجرد جار جمعتني به حدود السكن، بل كان أخًا عزيزًا ومقرّبًا، عرفته عن قرب، ولمست فيه من طيب الأخلاق ونقاء السريرة ما يجعل الحديث عن رحيله بالغ الصعوبة. كان حضوره مألوفًا، وابتسامته لا تفارق محيّاه، وصاحب قلب صافٍ لا يعرف الضغينة ولا يحمل الإساءة لأحد. ولذلك فإن رحيله بالنسبة لي ليس مجرد فاجعة أكتب عنها، بل فقد إنسان عزيز ترك غيابه وجعًا في النفس وفراغًا في تفاصيل الحياة.
كان علي نموذجًا للإنسان الذي تسبق أخلاقه حضوره، وتترك طيبته أثرها في القلوب دون استئذان. عُرف بصفاء سريرته، ونقاء قلبه، وبشاشة محيّاه، ولم يكن يحمل ضغينة لأحد، أو يضمر حقدًا على إنسان. كان من أولئك الذين يمنحون الحياة معناها الإنساني النبيل، وتبقى ذكراهم حاضرة بما تركوه من محبة واحترام.
لكن ما يجعل رحيل هذا الشاب أكثر إيلامًا، أن وراء اسمه حكاية طموح لم تكتمل، ومستقبلًا كان يخطو نحوه بإصرار، وحلمًا علميًا كان قد بدأ بالفعل في تحويله إلى واقع. فقد كان يكافح في ظروف الحياة، باحثًا عن مصدر دخل ثابت يعينه على مواصلة تعليمه، ولم يتخلَّ عن حلمه رغم صعوبة الطريق. ومؤخرًا سجّل اسمه في جامعة عدن، في تخصص الأمن السيبراني، واضعًا قدمه على عتبة مرحلة جديدة من حياته، متطلعًا إلى العلم والاستقرار وصناعة مستقبل يليق بطموحه.
كان يريد أن يكون طالب علم، وصاحب اختصاص، وإنسانًا فاعلًا في مجتمعه؛ كان ينظر إلى المستقبل بعين الطموح، ويؤمن بأن الظروف الصعبة لا ينبغي أن تكون نهاية الأحلام. وفي الوقت ذاته، لم يتخلَّ عن واجبه تجاه أرضه وكرامته، فجمع بين طموح الطالب وإقدام المقاتل، وبين التطلع إلى حياة مستقرة والاستعداد للتضحية في ميدان الشرف.
أيُّ وجعٍ هذا الذي يختصر حكاية علي الشوكي؟! شابٌ كان يبحث عن راتب يعينه على إكمال دراسته، وعن مقعد جامعي يفتح له أبواب المستقبل، وعن حياة مستقرة يبني فيها أحلامه؛ فإذا به يترجل شهيدًا قبل أن يبدأ فصله الجامعي الأول، ويرحل قبل أن يرى ثمرة ما زرعه من أمل وكفاح!
إنها مفارقة موجعة أن يرحل من كان يخطط للحياة، ويحلم بالعلم، ويتطلع إلى بناء مستقبله، تاركًا خلفه أحلامًا لم تُمنح فرصة الاكتمال، وأسرةً كانت تنتظر أن تراه في أعلى مراتب النجاح. غير أن الشهداء لا تُقاس حكاياتهم بما انقطع من أعمارهم، وإنما بما خلّفوه من مواقف، وبما جسّدوه من معاني الوفاء والتضحية.
لقد خسرته أسرته ابنًا وأخًا عزيزًا، وخسره كل من عرف أخلاقه وإنسانيته، وخسرته جيرته ومحبيه وكل من ألفوا حضوره وابتسامته. وخسرت الحياة شابًا كان لا يزال في بداية الطريق، يمتلك من الطموح ما يؤهله لصناعة مستقبل واعد. وسيبقى اسمه محفورًا في الذاكرة، لا باعتباره شهيدًا فحسب، بل باعتباره إنسانًا نقيًا، وشابًا مكافحًا، وصاحب حلم كبير لم تستطع قسوة الظروف أن تنتزعه من قلبه.
سلامٌ على روحك يا علي، يوم كنت بين أهلك وأحبابك، ويوم كنت أخًا وجارًا عزيزًا، ويوم ارتقيت شهيدًا في ميدان الواجب. نم قرير العين، فقد رحلت بجسدك، لكن سيرتك الطيبة ستظل حاضرة، وابتسامتك ستبقى عالقة في الذاكرة، ومكانتك في القلب لن يغيّبها الرحيل.
رحم الله الشهيد البطل علي عبدالله محمد مثنى الشوكي، وأسكنه الفردوس الأعلى، وجعل تضحياته في ميزان حسناته، وربط على قلب والدته وإخوانه وأسرته الكريمة، وألهمهم الصبر والثبات، وعظّم أجر كل من فقده وأحبه.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
ذياب الحسيني