الجنوب ليس ساحة انتظار.. بل قضية ومستقبل وقرار
الخميس - 05 نوفمبر 2026 - 12:49 ص
صوت العاصمة/ بقلم / زياد فضل الجنوبي
هناك تطورات في المشهد الجنوبي تستحق أن نتوقف أمامها بعقل سياسي مختلف. فما يُتداول عن استقطاب وجدي زبيد قرابة أربعة آلاف فرد أو يزيدون يطرح سؤالاً يتجاوز حجم الحشد: هل ننتقل فعلاً من مرحلة تجميع القوة إلى مرحلة بناء المؤسسات والقدرات؟
الجنوب اليوم ليس جنوب 2015، والحوثي أيضاً ليس كما كان في تلك المرحلة. سنوات الحرب صنعت واقعاً عسكرياً وسياسياً مختلفاً، وأصبح من الضروري أن تتغير معها طريقة التفكير والتخطيط. فالأعداد وحدها لا تصنع قوة، والتضحيات وحدها لا تحمي مستقبلاً، ما لم تسندهما مؤسسات وتأهيل وخبرات ورؤية واضحة.
والتطورات المرتبطة بجبهة كهبوب، وما يُتداول عن تحركات حوثية باتجاه محيط عدن، تضع الجميع أمام مسؤولية إدراك طبيعة المرحلة، بعيداً عن التهويل أو الاطمئنان غير المبرر.
لكن هناك سؤالاً أكثر عمقاً ينبغي أن يصل إلى كل الأطراف: هل الجنوب حاضر في حسابات حلفائه بقدر حضوره في حسابات خصومه؟
إلى الأشقاء في المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات: يدرك الجنوبيون أهمية العلاقات والتحالفات الإقليمية، لكن الشراكة الحقيقية لا تُقاس بالتصريحات، بل بوضوح المصالح والالتزامات واحترام تطلعات الشعوب. أمن الجنوب ليس مسألة محلية منفصلة عن أمن المنطقة، واستقراره لا يمكن أن يقوم على معادلات مؤقتة أو تفاهمات لا تمنحه وضوحاً بشأن مستقبله.
وإلى القيادة الجنوبية: المرحلة لا تحتاج إلى الاكتفاء بإدارة الواقع، بل إلى مراجعة مؤسسية جادة، والاستفادة من الخبرات الدولية المتقدمة، بما فيها الأمريكية، في بناء المؤسسات والتأهيل والتخطيط، مع الحفاظ على استقلال القرار الجنوبي. كما أن من حق الناس أن تعرف كيف تتحول الأعداد المستقطبة إلى مؤسسات منضبطة، وكيف تُدار الموارد والمسؤوليات وفق معايير واضحة.
وإلى أبناء الجنوب: لا تجعلوا اختلافاتكم الداخلية تحجب عنكم الأسئلة الكبرى. فالقضية التي دفعتم ثمنها من أعمار أبنائكم وتضحياتكم تستحق وعياً سياسياً يتجاوز الأشخاص والمكونات والمصالح الضيقة.
أما خصوم الجنوب، فعليهم أن يدركوا أن القضية الجنوبية ليست مجرد ظرف عابر أو مجموعة تشكيلات عسكرية؛ إنها قضية شعب لها جذور سياسية وتاريخية، ولا يمكن اختزال مستقبلها في موازين القوة وحدها.
وأقولها بصراحة: لا نريد أن يكون الجنوب قوياً عندما يحتاجه الحلفاء، ومهمشاً عندما تُرسم التسويات. ولا نريده أن يتحمل أعباء المواجهة دون أن يكون شريكاً في صناعة القرار.
لسنا ضد الشراكة، ولسنا دعاة قطيعة مع أحد، لكننا مع شراكة تحفظ المصالح والحقوق، ومع علاقات متوازنة لا تجعل مستقبل الجنوب رهينة حسابات الآخرين.
لقد حان الوقت للانتقال من سؤال: من يقف معنا اليوم؟ إلى سؤال أكثر أهمية: ما الذي نمتلكه نحن لنحمي قضيتنا ونضمن حضورنا غداً؟
فالجنوب لا يريد وصاية، ولا يريد عزلة، ولا يريد أن يكون ورقة في يد أحد. يريد أن يكون شريكاً بقراره، حاضراً بمصالحه، ومحترماً بتضحيات شعبه.
حفظ الله الجنوب وأهله.