اغتربنا يا وطني دون سفر
الأحد - 19 أكتوبر 2025 - 11:23 م
كتب : بدر البدر
في تداول الأيام وسنن الحياه الموجعة، هناك غربة أعظم من أي رحلة جسدية، غربة لا تحتاج إلى تأشيرة سفر، ولا يرافقها وداع لا في المطارات ولا في المحطات الأخرى. إنها الغربة التي تسكن القلب قبل المكان، التي تأتي في هيئة قدر مُحزن، أو فاجعة أليمة، فتسلبنا من دفء الوطن دون أن نغادره فعليًا.
نحن هنا، في وطننا، ولكن قلوبنا تتسكع بين أشواق الماضي وآلام الحاضر، نصبح غُرباء بين الناس الذين أحببناهم، بين الأوطان والمَواطن التي عرفناها، وبين الأماكن التي نشأنا فيها. تصير كل زاوية مألوفة شاهدة على الفقد، وكل صوت مألوف يذكّرنا بما فقدنا من الأمان والاعتراف والاحترام.
في هذه الغربة بلا سفر، نصبح مصائد للخيبات والأوجاع، نحمل في أعماقنا وجعًا لا يُرى، ونشعر بالعاطفة تتفجر في أصغر المواقف. كل ضحكة صادقة، كل كلمة طيبة، كل لمسة حانية تصبح امتدادًا لشوقنا لدفء الوطن الذي صرنا فيه غرباء.
إنها غربة الروح قبل الجسد، غربة القلب قبل المكان، غربة تجعلنا أكثر إنسانية، أكثر مشاعرية، وأكثر استعدادًا للشعور بكل ما حولنا. فالوطن هنا، بلا تحية أو اعتراف، بلا دفء أو تقدير، لكننا نحمله فينا، في كل نبضة قلب، وفي كل دمعة صامتة.
ويا وطني، كم نتمنى لو كانت غربتنا مجرد سفر، لنعود إلى دفء أحضانك سريعًا. لكن الحقيقة المرة أن هذه الغربة، رغم صعوبتها، علمتنا أن نعيش مع الحنين، أن نحتفظ بالوفاء، وأن نحبك بصمت، رغم كل شيء.