حضرموت بين مطرقة الفوضى وسندان الإرهـ.ـاب… حين تتحول الرعاية إلى خطر
الأربعاء - 07 يناير 2026 - 01:46 ص
صوت العاصمة/ حضرموت
لم تعد حضرموت تلك البقعة الهادئة التي عُرفت عبر التاريخ بالحكمة والتسامح والتجارة والعلم، بل أضحت اليوم عنواناً مقلقاً لفوضى أمنية متصاعدة، وبيئة رخوة تتكاثر فيها الجماعات الإرهابية تحت أنظار قوى إقليمية يُفترض أنها جاءت للاستقرار لا لإشعال الحرائق. وفي قلب هذا المشهد المضطرب، تتجه أصابع الاتهام إلى السعودية، بوصفها لاعباً رئيسياً أسهمت سياساته – عمداً أو عجزاً – في تحويل حضرموت إلى ساحة مفتوحة للفوضى والتطرف.
حضرموت لا تغرق في الإرهاب صدفة، ولا تنزلق إلى هذا الواقع بفعل عوامل داخلية فقط، بل نتيجة فراغ أمني متعمّد، وتفكيك ممنهج للقوى المحلية القادرة على حفظ الأمن، مقابل فتح المجال أمام قوى مشبوهة وجماعات متطرفة تتحرك بأريحية مريبة. فحين يُقصى أصحاب الأرض، ويُهمّش من يعرفون تضاريسها الاجتماعية والأمنية، يصبح الإرهاب المستفيد الأول.
لقد أثبتت التجارب في الجنوب أن مكافحة الإرهاب لا تنجح بالتواطى ولا بإدارة الأزمات من غرف مغلقة، بل بتمكين قوات محلية لديها عقيدة واضحة، وارتباط حقيقي بالأرض والناس. غير أن ما حدث في حضرموت كان العكس تماماً؛ حيث جرى إضعاف هذه القوى، وخلط الأوراق، وإعادة تدوير جماعات متطرفة تحت مسميات مختلفة، في مشهد يثير الكثير من علامات الاستفهام حول حقيقة الأهداف.
السعودية، التي ترفع شعار محاربة الإرهاب، تبدو في الواقع – وفق ما يراه كثير من أبناء الجنوب – قد وفّرت بيئة مثالية لتمدده، سواء عبر سياسات أمنية مرتبكة، أو تحالفات متناقضة، أو غضّ الطرف عن تحركات جماعات معروفة بتاريخها الدموي. وهنا يتحول الادعاء بمحاربة الإرهاب إلى مجرد لافتة، بينما الواقع يقول إن حضرموت تُدفع دفعاً نحو المجهول.
المواطن الحضرمي هو الخاسر الأكبر في هذه المعادلة. اغتيالات، نهب للممتلكات، ترويع للآمنين، وتآكل للثقة في أي حديث عن الاستقرار. ومع كل حادثة، يتعزز الشعور بأن حضرموت تُستخدم كورقة ضغط وصراع نفوذ، لا كمحافظة لها حق الحياة الآمنة والتنمية والاستقرار.
ورغم كل ذلك، لم يصمت أبناء حضرموت. فقد عبّروا مراراً عن رفضهم لهذا المسار الخطير، وطالبوا بوضوح بعودة قوات جنوبية محلية أثبتت قدرتها سابقاً على كسر شوكة الإرهاب وحفظ الأمن. كما أكدوا أن حضرموت ليست بحاجة إلى وصاية خارجية بقدر حاجتها إلى احترام إرادة أبنائها وتمكينهم من حماية أرضهم.
إن استمرار الفوضى في حضرموت لا يهدد الجنوب وحده، بل يفتح نافذة جديدة للإرهاب في المنطقة بأكملها. فالإرهاب لا يعرف حدوداً، ومن يُشعله أو يتساهل معه اليوم، سيدفع ثمنه غداً. ولذلك، فإن الطريق إلى إنقاذ حضرموت يبدأ بوقف العبث، وإنهاء السياسات التي حوّلت “الرعاية” إلى خطر، والاستقرار إلى وهم، والإرهاب إلى واقع يومي يعيشه الناس.
حضرموت تستحق أن تعود كما كانت: أرض سلام، لا ساحة تصفية حسابات، ولن يتحقق ذلك إلا بإرادة صادقة، تعترف بالأخطاء، وتعيد الاعتبار للقوى المحلية، وتغلق الأبواب أمام الجماعات الإرهابية التي وجدت في الفوضى أفضل حليف