احتلال الجنوب العربي يشرعن الإعلان الدستوري
الجمعة - 16 يناير 2026 - 12:31 ص
صوت العاصمة/ تحليل /د. يحيى شايف ناشر الجوبعي:
منذ الثاني من يناير ٢٠٢٦م لم يشهد الجنوب العربي مجرد تحول سياسي تقليدي بل دخل اختبارا فلسفيا وتجريبيا لطبيعة الصراع بين إرادة الشعوب ومنطق الهيمنة.
ولهذا لم يكن الإعلان الدستوري الذي أعلنه الرئيس القائد عيدروس الزبيدي رئيس المجلس الانتقالي والقائد الأعلى للقوات المسلحة الجنوبية في ٢/يناير /٢٠٢٦م مجرد رد فعل عابر على واقع سياسي بل كان انكشافا بنيويا لمشروع احتلال ثلاثي عمل لفترات طويلة بأدوات متناقضة وأقنعة متعددة لكنه اتحد في اللحظة التي شعر فيها بتهديد جوهر مصالحه.
لقد مثل الإعلان الدستوري فعلا سياديا بامتياز إذ نقل الجنوب العربي من موقع الموضوع المدار إلى موقع الفاعل المبادر وهو تحول استدعى اصطفاف قوى متنافرة ظاهريا شملت كل من (السعودية وحزب الإصلاح الإخواني والحوثيون)
هذا الاصطفاف الذي يبدو سياسيا يحمل في جوهره بعدا فلسفيا ؛ فالهيمنة بطبيعتها تتغاضى عن الاختلاف فيما بينها حين تواجه إرادة تحرر حقيقية ؛ لأن
الاحتلال حين يتعدد يقابله توحد في جبهة الوعي الجمعي الجنوبي.
ولهذا فمنذ ٢/ يناير يناير ٢٠٢٦م تتابعت الضغوط العسكرية والسياسية والإعلامية والاقتصادية على الجنوب العربي لا بهدف نقد الإعلان الدستوري القانوني بل لنزع شرعيته الرمزية .
ومع ذلك فإن هذا الهجوم الثلاثي لم يضعف الإعلان بل حوله من مجرد نص سياسي إلى برهان تاريخي على فاعلية الجنوب العربي ووعيه.
فحين تتفق قوى متصارعة على معاداة خطوة واحدة ، يعد ذلك اعترافا بأهمية هذه الخطورة وفعاليتها.
إن الاحتلال لا يشرعن نفسه بالقوة وحدها بل بمحاولة احتكار تعريف الشرعية ، وعندما يخرج الجنوب العربي عن هذا التعريف المفروض يصبح فعل التحرر نفسه جريمة في قاموس الهيمنة.
لكن ما حدث كان العكس : فالهجوم تحول إلى عملية تشريع عكسي حيث أصبح الإعلان ممثلا لإرادة جنوبية واضحة في مقابل عجز الاحتلال الثلاثي عن تقديم مشروع سياسي يضمن حق الجنوبيين في تقرير مصيرهم سلميا وبكل حرية .
ومن هذا المنطلق يلحظ بأن أهمية الإعلان الدستوري من منظور علم السياسة والشرعية لا تقاس في بنية النصوص الدستورية بذاتها ، بل بقدرتها على إعادة توزيع السلطة والشرعية ؛ إذ أثبت الإعلان الدستوري ذلك بوضوح حين كشف بأن التلاقي العدائي بين المملكة - التي كنا نتمنى عدم تورطها - وحزب الإصلاح الإخواني والحوثيين لم يكن عبثيا ، بل كان نابعا من مصلحة هيكلية مشتركة لمنع تشكل ذات جنوبية مستقلة.
وقد تجسدت هذه المصلحة في ضغوط عسكرية وسياسية ودبلوماسية وحملات إعلامية ممنهجة وتعطيل اقتصادي وغيرها من الضغوطات التي يعرفها الكل بالإضافة إلى الكثير من المحاولات لإعادة إنتاج خطاب الشرعية البديلة ٠
لكن هذه الاستجابات أثبتت وفق منطق العلاقات الدولية أنها تعترف ضمنيا بفاعلية الإعلان ؛ فحين تتحد قوى متصارعة لمواجهة كيان ناشئ ، فهذا يدل عن تحول الإعلان من وثيقة تنظيمية إلى حامل شرعية صراعية وهي أعلى درجات الشرعية في سياقات التحرر الوطني.
ففي مشهد سياسي نادر توحدت أطراف يفترض أنها لا تتوحد كونها على عداء تاريخي لتقف في خندق واحد أمام خطوة جنوبية واحدة.
ولهذا فالهجوم لم يكن موجها ضد نص فحسب بل ضد قرار أن يكون الجنوب العربي فاعلا.
ومن خلال تصاعد الضغوط واستمرارها أصبح واضحا أن الإعلان أصاب جوهر الأزمة ؛ فكلما ارتفع منسوب الهجوم على الجنوب العربي ارتفعت معه قناعة الشارع الجنوبي بأن قرار الإعلان الدستوري يمثل تحولا وجوديا حقيقيا.
والمفارقة تكمن في أن احتلال الجنوب العربي
قد منح الإعلان الدستوري أعظم شهادة سياسية : شهادة الاعتراف بالفاعلية ؛ لأن الخطوة التي لا تمنح الجنوب العربي استقلاله لا تحارب والمشروع الذي لا يمتلك مستقبلا لا يحاصر .
ولهذا لم يكن الإعلان الدستوري من حيث الرؤية الفلسفية والفكرية مجرد نص قانوني ، بل إعلان وجود سياسي مستقل للجنوب العربي، والوجود حين يعلن يستدعي بالضرورة رفض من قبل كل من اعتاد على إنكاره .
فالتحالف على احتلال الجنوب العربي ليس تحالفا عابرا ، بل تجل لوحدة الهيمنة حين تواجه وعيا جديدا : فالسعودية قد أريد لها -مع الأسف الشديد- أن تستدرج من منطق الحليف إلى ممثل لمنطق الوصاية على أن يمثل الإخوان منطق التوظيف الأيديولوجي بينما يمثل الحوثيون منطق الإخضاع القسري . ولذلك يلحظ بأن اختلاف الأدوات لم يلغي وحدة الهدف المتمثل في إبقاء الجنوب العربي خارج معادلة القرار .
لكن الإعلان الدستوري كسر هذه الحلقة ؛ إذ نقل الجنوب العربي من موقع المؤجل إلى موقع المقرر وبهذا يكون الجنوب العربي قد دخل طورا جديدا من الصراع بين مشروعين : مشروع الهيمنة الذي يرفض الاعتراف بتقرير مصير الجنوب ، ومشروع التحرر الذي يتبناه المجلس الانتقالي بقيادة الرئيس القائد عيدروس الزبيدي الذي لا يطلب الإذن من أحد وصولا إلى تقرير مصير الشعب الجنوبي وفقا ومسارا قانونيا يستوعب كل المكونات الجنوبية بكل خياراتها عبر آلية الاستفتاء الشعبي السلمية ٠
وفي هذا السياق تصبح الشرعية ليست هبة من الخارج ، بل نتاج الصمود والوضوح والاستمرار .
وبناء على ذلك لم يعد الجنوب العربي مجرد رقعة جغرافية متنازع عليها، بل فكرة سياسية مكتملة الأركان والفكرة حين تولد لا تهزم بالقمع ، بل تنتصر بالاستمرار .
إن أخطر ما واجه الاحتلال ليس الإعلان نفسه بل ما مثله : إعلان نهاية القدرة على التحكم بمسار الجنوب دون الجنوب ٠
وهكذا فإن القوى التي سعت لإسقاط الإعلان أسهمت - دون وعي - في تثبيته ومنحه شرعية الصراع وشرعية التضحية وشرعية المستقبل كون الاحتلال حين يعادي الإرادة الجامعة لا يهزمها… بل يخلدها .
*أكاديمي ومحلل سياسي