حين تسقط الشرعية في ميزان الشارع الجنوبي ..
الثلاثاء - 27 يناير 2026 - 12:21 ص
صوت العاصمة / تقرير/ مريم بارحمة
منذ تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، دخل المشهد السياسي في اليمن، وبالأخص في الجنوب العربي، مرحلة جديدة اتسمت بارتفاع سقف التوقعات مقابل تعقّد التحديات. كان الرهان المعلن هو إدارة انتقالية قادرة على كبح الانهيار الاقتصادي، وتحسين الخدمات، وإعادة الاعتبار لمفهوم الدولة والمؤسسات، وفتح مسار سلام واقعي. غير أن المزاج العام في الشارع الجنوبي، كما تعكسه النقاشات العامة والبيانات المتداولة، اتجه تدريجيًا نحو التشكيك في جدوى النهج القائم، وفي رأس هرم القيادة تحديدًا، وصولًا إلى بروز وسم "العليمي مرفوض بالجنوب" بوصفه تعبيرًا سياسيًا احتجاجيًا عن أزمة ثقة عميقة.
-الشرعية السياسية من منظور جنوبي
يستند الخطاب الجنوبي الراهن إلى تعريف عملي للشرعية السياسية، قوامه النتائج الملموسة لا الألقاب والمناصب. في هذا التصور، تُقاس الشرعية بقدرة القيادة على تحسين حياة الناس، وحماية الأمن، وضمان حدٍّ أدنى من الاستقرار الاقتصادي والخدمي. وعليه، فإن تكرار الأزمات ذاتها الكهرباء، المياه، العملة، الصحة، التعليم يُفسَّر شعبيًا بوصفه إخفاقًا بنيويًا، لا ظرفًا طارئًا.
هذا المنطق يفسّر تصاعد الأصوات التي تقول: "لا شرعية بلا إنجاز". فبالنسبة لقطاعات واسعة في الجنوب، لم يطرأ تحسّن ملموس منذ تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، ما فتح باب التساؤل المشروع حول جدوى المسار، وحول مسؤولية رأس القيادة عن إدارة المرحلة.
-الأداء الاقتصادي والخدمي بين الوعود والواقع
يشكّل الاقتصاد محورًا مركزيًا في النقد الجنوبي. تدهور العملة الوطنية، وارتفاع الأسعار، واتساع دائرة الفقر والبطالة، تُقرأ بوصفها مؤشرات على غياب سياسات فعّالة. ويذهب منتقدون إلى القول إن المشكلة لم تعد أزمة موارد فقط، بل أزمة إدارة ورؤية. فالمعالجات الجزئية والتصريحات الإعلامية لم تُترجم إلى إجراءات مستدامة، ما عمّق فجوة الثقة بين المواطن ومؤسسات الحكم.
في السياق الخدمي، تتكرر الشكاوى من انعدام الكهرباء، وشح المياه، وتدهور الخدمات الصحية والتعليمية. ويُسجّل على قيادة المرحلة - بحسب هذا الخطاب- العجز عن تقديم حلول جذرية، أو على الأقل خارطة طريق واضحة بجدول زمني ومؤشرات قياس.
-الجنوب وإشكالية الشراكة والندية
من أبرز النقاط التي يثيرها الرأي العام الجنوبي مسألة الشراكة في القرار. فالمطلب لا يقتصر على التمثيل الشكلي، بل يتعدّاه إلى المشاركة الحقيقية في صنع القرار، واحترام خصوصية الجنوب وتاريخه وقضيته. قرارات تمس محافظات مثل حضرموت والمهرة أثارت جدلًا واسعًا، وأعادت طرح سؤال استقلالية القرار السياسي، ومدى مراعاة الخصوصيات المحلية.
في هذا الإطار، يرى كثيرون أن أي إدارة مركزية تُعيد إنتاج أنماط التهميش السابقة، مهما تغيّرت الوجوه، ستصطدم برفض شعبي. ومن هنا يتكرّس خطاب "إرادة الشعب خط أحمر"، وعدن ليست ساحة للوصاية.
-الخطاب السياسي والرؤية الغائبة
يتعرّض الخطاب السياسي لقيادة المرحلة لانتقادات تتعلق بالارتباك وتضارب المواقف. فغياب رؤية واضحة تجاه ملفات السلام والاقتصاد والأمن يُفسَّر بوصفه عاملًا إضافيًا في تآكل الثقة. ويذهب محللون إلى أن القيادة التي لا تمتلك سردية متماسكة وخطة مُعلنة، تجد صعوبة في حشد التأييد الشعبي، حتى لو امتلكت الشرعية الشكلية.
-الفساد وتضارب المصالح جوهر الأزمة
يُعد ملف الفساد وتضارب المصالح الأكثر حساسية في هذا الجدل. تتداول منصات إعلامية ونشطاء تقارير وادعاءات تتعلق بشبكات أعمال مرتبطة برموز في السلطة، وتطالب بفتح تحقيقات مستقلة وشفافة. ويؤكد هذا الخطاب أن المطالبة بالمحاسبة ليست استهدافًا شخصيًا، بل ركيزة لأي دولة قانون.
فيما يخص رشاد العليمي وعائلته، تُطرح -على سبيل التداول العام- ادعاءات عن امتلاك شبكة شركات تعمل في قطاعات النفط والمقاولات والخدمات، وعن تضارب محتمل بين المنصب السياسي والمصالح التجارية. كما تُثار تساؤلات حول دور أفراد من العائلة في تمثيل شركات أجنبية، أو شغل مناصب في قطاعات يفترض أنها خاضعة للرقابة.
من المهم التأكيد هنا أن هذه المزاعم تبقى، من منظور مهني، في إطار الادعاءات التي تتطلب تحقيقًا قضائيًا مستقلاً، وإتاحة المعلومات للرأي العام. غير أن خطورتها السياسية تكمن في أثرها على الثقة العامة، لا في ثبوتها أو نفيها فقط.
-الدولة أم الإمبراطورية الاقتصادية؟
يتساءل منتقدون كيف يمكن لمسؤول في موقع رئاسة مجلس القيادة أن يوفّق بين متطلبات إنقاذ دولة على حافة الانهيار، وبين إدارة شبكة أعمال واسعة؟ هذا السؤال، بغض النظر عن دقته، يعكس إحساسًا عامًا بأن الدولة تُدار كملف ثانوي، وأن الأولويات مختلّة.
في الخطاب الجنوبي، تُستخدم هذه التساؤلات لتسليط الضوء على مفهوم تضارب المصالح، وعلى ضرورة الفصل الصارم بين السلطة والثروة، كشرط لأي إصلاح حقيقي.
-المحاسبة كمدخل للإصلاح
تتفق معظم الأصوات الجنوبية على أن الإصلاح لا يبدأ بالشعارات، بل بإجراءات واضحة: تفعيل أجهزة الرقابة، فتح ملفات الفساد، محاسبة المتورطين أياً كانت مواقعهم، واستعادة الأموال المنهوبة إن وُجدت. ويُنظر إلى غياب الإجراءات الرادعة بوصفه تكريسًا لثقافة الإفلات من العقاب.
في هذا السياق، يُحمَّل رئيس القيادة مسؤولية سياسية مباشرة عن إخفاقات المرحلة، انطلاقًا من مبدأ أن من يتصدر القرار يتحمّل نتائجه.
-الرسالة إلى الإقليم والمجتمع الدولي
يوجّه الشارع الجنوبي رسالة واضحة إلى الداعمين الإقليميين والدوليين: دعم الاستقرار لا يكون عبر تجاهل الإرادة الشعبية، أو التعويل على شرعيات شكلية. فالشرعية المستدامة تُبنى على الإنجاز والشفافية واحترام إرادة الشعوب. ويُحذَّر من أن أي مسار يتجاهل هذه المعادلة محكوم عليه بالفشل.
-الزُبيدي والانتقالي
في مقابل رفض العليمي، يبرز تأكيد واسع على أن الرئيس القائد عيدروس بن قاسم الزُبيدي، والمجلس الانتقالي الجنوبي، يمثّلان من وجهة نظر شعب الجنوب التعبير السياسي الأصدق عن تطلعات الجنوب. هذا التأكيد لا ينفصل عن سياق نضالي طويل، ولا عن شعور بأن الانتقالي أقرب إلى نبض الشارع ومطالبه.
-لحظة سياسية فارقة
الجنوب العربي يعيش لحظة سياسية فارقة، تُعاد فيها صياغة مفهوم الشرعية على أسس عملية: الإنجاز، الشفافية، والمساءلة. الرفض الشعبي لرشاد العليمي، كما يتجلّى في الخطاب المتداول، ليس موقفًا عاطفيًا بقدر ما هو تعبير عن أزمة ثقة عميقة في الأداء والنهج.
الطريق إلى الاستقرار لا يمر عبر إنكار هذه الأصوات، بل عبر الإصغاء الجاد لها، وفتح الملفات بشفافية، وإعادة ترتيب الأولويات بما يضع الإنسان في صدارة السياسات العامة. فالدولة التي تحترم شعبها هي تلك التي تُحاسب قادتها قبل أن تُطالب الناس بالصبر.
يبقى السؤال هل تملك قيادة المرحلة الشجاعة لإجراء مراجعة عميقة، أم أن الجنوب ماضٍ نحو إعادة تعريف علاقته بالشرعية برمّتها؟