مداد العاصمة



لماذا الدعوة إلى حوار جنوبي - جنوبي؟

الخميس - 29 يناير 2026 - 12:20 ص

لماذا الدعوة إلى حوار جنوبي - جنوبي؟

صوت العاصمة / مقال لـ : عبدالكريم قاسم


تُعد الدعوة إلى حوار جنوبي – جنوبي ضرورة سياسية وأخلاقية قبل أن تكون خيارًا تكتيكيًا أو استجابة ظرفية لتطورات آنية. فالحوار، في جوهره، ليس مجرد لقاء شكلي أو منصة لإعادة إنتاج المواقف المسبقة، بل هو أداة حضارية لإدارة الخلاف، ووسيلة لتقريب وجهات النظر، وتحديد مساحات الاتفاق والاختلاف بصورة عقلانية ومسؤولة.

هل يحتاج الجنوبيون إلى الحوار فيما بينهم؟ الإجابة، من حيث الواقع لا من حيث الرغبة، هي نعم. فالجنوب اليوم لا يواجه فقط تحديات خارجية تتعلق بمستقبل الدولة وشكل العلاقة مع الشمال، بل يواجه أيضًا إشكالًا داخليًا يتمثل في تعدد الرؤى حول ماهية القضية الجنوبية نفسها، وسبل معالجتها، وأولوياتها السياسية والمرحلية. هذا التعدد في الرؤى هو ظاهرة طبيعية في المجتمعات الحية، لكنه يتحول إلى عبء عندما يُدار بمنطق الإقصاء واحتكار التمثيل.

لقد اختلف الجنوبيون في توصيف الحل: بين من يرى الانفصال خيارًا نهائيًا، ومن يدعو إلى دولة اتحادية، ومن يطرح صيغًا مرحلية أو توافقية، ومن يربط الحل بسياق وطني أشمل. وهذه الاختلافات لا تنتقص من عدالة القضية الجنوبية، بل تؤكد حاجتها إلى إطار حوار جامع ينظم هذا التباين ويمنع تحوله إلى صراع داخلي.

غير أن أي حوار حقيقي يفقد معناه إذا لم يُبنَ على قاعدة احترام الرأي الآخر. فقبل الذهاب إلى طاولة الحوار، لا بد من الاعتراف بشرعية الاختلاف، والتخلي عن لغة التخوين والتسفيه، والاقتناع بأن امتلاك رؤية سياسية لا يمنح أصحابها حق نزع الوطنية عن غيرهم. فالوطن لا يُختزل في مشروع واحد، ولا في جماعة بعينها، ولا في خطاب أحادي الصوت.

في هذا السياق، فإن ما شهدته الساحة الإعلامية مؤخرًا من ردود أفعال حادة تجاه بعض الآراء المخالفة يكشف عن أزمة أعمق من مجرد خلاف سياسي. إنها أزمة تقبّل للرأي الآخر، وأزمة فهم لمفهوم الحوار ذاته. فالانفعال، والسب، والتجريح، لا تعزز أي قضية، بل تضعفها، وتحوّلها من مشروع سياسي قابل للنقاش إلى خطاب مغلق يرفض المساءلة.

إن الافتراض المسبق بأن أي مؤتمر حوار قادم يجب أن يُكرّس رؤية واحدة فقط، ويقصي سواها، يتناقض مع فكرة الحوار من أساسها. فالحوار لا يُعقد لضمان انتصار طرف بعينه، بل لاختبار الأفكار، وقياس قدرتها على الإقناع، وبناء توافقات مستدامة. والانتصار الحقيقي لأي رؤية لا يتحقق عبر رفع الصوت أو تخوين المختلفين، بل عبر تقديم مشروع واضح، قابل للنقاش، ويحظى بقبول واسع.

من هنا، فإن الحوار الجنوبي – الجنوبي ليس تهديدًا لأي مشروع سياسي، بل فرصة لمراجعته وتطويره وتعزيز مشروعيته. كما أنه يشكّل صمام أمان يمنع انزلاق الخلاف السياسي إلى صراع اجتماعي أو مناطقي، ويؤسس لثقافة سياسية تقوم على الشراكة لا الإلغاء، وعلى النقاش لا القطيعة.

ختامًا، فإن الجنوب، وهو يطالب بحقه في تقرير مستقبله، أحوج ما يكون إلى إدارة خلافاته الداخلية بعقلانية ومسؤولية. فالقضية العادلة لا تخشى الحوار، والمشروع الواثق من نفسه لا يخاف من الأسئلة. والحوار، في نهاية المطاف، ليس تنازلًا، بل دليل نضج سياسي، وخطوة ضرورية على طريق أي حل مستدام.



الأكثر زيارة


صادم.. السعودية تتراجع عن قرار حل المجلس الانتقالي وسط ترتيب.

الأربعاء/28/يناير/2026 - 10:05 م

كشفت مصادر سياسية مطلعة عن تعرض السعودية لضغوط أمريكية مكثفة دفعتها إلى تعديل مقاربتها في ملف جنوب اليمن، ووقف خطط كانت تستهدف تفكيك قوات المجلس الانت


عاجل | وصول وفد رفيع المستوى إلى عدن وسط إجراءات أمنية مشددة.

الأربعاء/28/يناير/2026 - 11:25 ص

وصل، قبل قليل، إلى مطار عدن الدولي وفد رفيع المستوى يضم مسؤولين من الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة


اي حوار جنوبي .. إختيار ممثليه سرا من قبل الحاكم العسكري الس.

الأربعاء/28/يناير/2026 - 01:11 ص

شعب الجنوب وقضيته تتعرض لأخطر مؤامرة في التاريخ تفوق كل المؤامرات السابقة منذ إعلان الوحدة اليمنية عام ١٩٩٠ م لطمس هويته وتاريخه والغاء اسم دولة الجنو


عاجل : انفجـ.ـار عنيف يهـ.ـز مدينة الضالع ومصادر تكشف الأسبا.

الأربعاء/28/يناير/2026 - 11:19 م

هز انفجار عنيف سمع دوية في مناطق واسعة من محافظة الضالع مساء اليوم الأربعاء. وبحسب مصادر محلية فان الانفجار ناتج عن قصف لمليشيا الحوثي بصواريخ الكاتيو