رغم الحصار والقمع: شعب الجنوب يتحدى الرصـ.ـاص
الأحد - 15 فبراير 2026 - 12:36 ص
صوت العاصمة/ تقرير / الصوت الجنوبي
في مشهد يعكس حجم التحول العميق في الوعي الجنوبي، خرج الآلاف من شعب الجنوب في سيئون والمكلا وعتق وعدن، خلال الأسابيع الماضية، رافعين أعلام الجنوب، متحدّين الرصاص والحصار والإجراءات الأمنية المشددة، ليؤكدوا أن المجلس الانتقالي الجنوبي ما يزال يمثل خيارهم السياسي الأول وحامل مشروعهم الوطني.
وبينما تصاعدت حملات الاعتقال والمداهمات واستخدام القوة المفرطة ضد متظاهرين سلميين، بدا الشارع الجنوبي أكثر إصرارًا على التمسك بحقوقه، وتجديد التفويض لقيادة المجلس في مواجهة ما يصفه بـ"مشروع القمع وإعادة الوصاية".
الشرارة الأولى
في السادس من فبراير، شهدت مدينة سيئون بوادي حضرموت مسيرة جماهيرية واسعة دعا إليها المجلس الانتقالي الجنوبي، للمطالبة بإخراج القوات الشمالية وتمكين القوات المحلية من إدارة الملفين الأمني والعسكري.
ورفع المحتجون خلال التظاهرة السلمية المدنية أعلام الجنوب وصور قيادة المجلس، وأكدوا تمسكهم بمسار استعادة الدولة الجنوبية ورفض أي قرارات تستهدف حل المجلس أو تقويضه.
غير أن المشهد لم ينتهِ بانفضاض المسيرة، إذ أعقبتها حملة اعتقالات ومداهمات طالت نشطاء وصحفيين، بينهم الناشط ناصر بن شعبان الذي اتهمت الهيئة التنفيذية للمجلس الانتقالي في حضرموت قوات درع الوطن باختطافه بعد مداهمة منزله فجرًا في منطقة بور بسيئون، عقب يومين فقط من قراءته بيان الفعالية الجماهيرية.
ووصف المجلس الانتقالي الجنوبي في وادي حضرموت ما جرى في سيئون يمثل “نمطًا من القمع السياسي المنظم”، مشيرا إلى استخدام الذخيرة الحية لتفريق متظاهرين سلميين، واحتجاز عشرات الأشخاص، بينهم قاصرون، في مرافق غير قانونية.
وأضاف أن تحويل مطار سيئون إلى موقع احتجاز عسكري يعكس خطورة المرحلة ومحاولات إخضاع الشارع بالقوة.
في السياق ذاته، صدرت إدانات واسعة من منظمات حقوقية وصحفية محلية ودولية، اعتبرت أن الاعتقالات والاختفاء القسري تمثل انتهاكًا واضحًا للقانون الدولي، وطالبت بالإفراج الفوري عن المعتقلين ومحاسبة المسؤولين.
وعلى الرغم من ذلك، فإن كل الانتهاكات التي تعرضت لها جماهير الجنوب، لم تثنهم عن مواصلة تحركاتها، بل زادت من منسوب الغضب الشعبي.
تفويض متجدد من عدن إلى المكلا
ردّ الشارع الجنوبي لم يتأخر. ففي العاشر من فبراير، احتشد الآلاف في مدينة المكلا بساحل حضرموت، في مسيرة جماهيرية واسعة دعا إليها المجلس الانتقالي تحت شعار “الثبات والتحدي”.
ومنذ ساعات الظهيرة، توافدت الحشود إلى ساحة يعقوب، رافعة لافتات تندد باستمرار تواجد القوات القادمة من خارج المحافظة، ومطالبة بتمكين قوات النخبة الحضرمية من تولي مهام الأمن.
وشهدت المسيرة مشاركة نسوية لافتة، حيث خرجت مسيرات من أحياء عدة في المكلا، رافعة أعلام الجنوب وصور رئيس المجلس الانتقالي عيدروس الزُبيدي، ومؤكدة رفضها لحملات الاعتقال التي طالت نشطاء وادي حضرموت.
وفي البيان الختامي، جدد المشاركون التفويض السياسي والشعبي للزبيدي، وأكدوا تمسكهم بالإعلان الدستوري الصادر في يناير 2026، باعتباره الإطار المنظم للمرحلة والمعبر عن الإرادة الشعبية الجنوبية.
وقالت مصادر مطلعة "للصوت الجنوبي" أن محاولات منع مواكب قادمة من مديريات الساحل، ومنع مواطنين من الشحر من الوصول إلى المكلا، كشفت حجم القلق من اتساع رقعة الاحتجاجات، لكنها في الوقت ذاته أظهرت أن خيار القمع لم يعد قادرًا على كسر إرادة الجماهير.
بالتوازي، شهدت مديرية المنصورة في العاصمة عدن مسيرة متزامنة دعماً للمجلس الانتقالي وتنديدًا بحملات الاعتقال في حضرموت. في موقف يعكس وحدة الموقف الجنوبي خلف المجلس، ويفشل محاولات تصوير التحركات باعتبارها محدودة أو معزولة.
الدم يزيد الإصرار في شبوة
الأكثر دموية كان ما شهدته مدينة عتق في محافظة شبوة في الحادي عشر من فبراير، حيث استخدمت قوات الأمن الرصاص الحي لتفريق تظاهرة جماهيرية سلمية دعا إليها المجلس الانتقالي، ما أسفر عن سقوط سبعة قتلى ونحو ثلاثين مصابًا، بينهم أطفال، وفق مصادر طبية.
كما أظهرت مشاهد مصورة استمرار الحشود في التقدم نحو ساحة الفعالية رغم إطلاق النار وتخريب المنصة.
وأدان المجلس الانتقالي في شبوة اقتحام ساحة الاحتشاد، معتبرًا ما جرى انتهاكًا واضحًا لحق التعبير السلمي، ومحملاً الجهات التي أصدرت أوامر إطلاق النار المسؤولية السياسية والقانونية عن سقوط الضحايا.
كما أكدت الهيئة الإدارية للجمعية الوطنية أن ما حدث يمثل تعديًا مباشرًا على حق التجمع ومحاولة لإفشال الفعالية بالقوة.
وفي هذا الصدد قال الكاتب السياسي عدنان العولقي "للصوت الجنوبي" إن “ما جرى في عتق وسيئون ليس أحداثًا معزولة، بل يعكس قرارًا واضحًا بمواجهة الإرادة الجنوبية بالقوة”.
وأضاف أن “الدم الذي سقط في شبوة لن يُضعف المجلس الانتقالي، بل سيعزز شرعيته، لأنه بات يمثل في وعي الجماهير خط الدفاع الأخير عن الهوية الجنوبية”.
وبشأن الدعوات لحل المجلس أو تحجيمه، قال العولقي إن “أي قرار يُفرض خارج الإرادة الشعبية لا قيمة له سياسيًا، والشارع أثبت أنه مستعد لدفع الثمن دفاعًا عن مشروعه الوطني”.
من جانبه، قال الصحفي الجنوبي هاشم المحمدي "للصوت الجنوبي" إن “استهداف الصحفيين واعتقالهم في سيئون، وإطلاق النار على متظاهرين في عتق، يكشفان خوفًا حقيقيًا من الصوت الجنوبي الحر”.
وأضاف أن “كل محاولة لإسكات هذا الصوت تزيده قوة وانتشارًا، لأن القضية الجنوبية لم تعد مجرد مطلب سياسي، بل أصبحت قضية كرامة ووجود”.
وبشأن الموقف الدولي، قال المحمدي إن “الصمت الدولي على ما يجري يبعث برسالة خاطئة، لكنه في المقابل يعزز قناعة الجنوبيين بأن الاعتماد الأول يجب أن يكون على وحدتهم الداخلية وعلى قيادتهم السياسية المتمثلة بالمجلس الانتقالي”.
ورغم الحصار والقمع والرصاص، يواصل شعب الجنوب النزول إلى الساحات، مجددًا التفويض ومؤكدًا تمسكه بخيار استعادة الدولة. وبين سيئون والمكلا وعتق وعدن، تتشكل معادلة جديدة عنوانها أن المجلس الانتقالي الجنوبي لم يعد مجرد مكون سياسي، بل أصبح التعبير الأوسع عن إرادة شعب قرر أن يتحدى الرصاص بصدره العاري، وأن يكتب مستقبله بيده مهما بلغت التضحيات.