أبين… حين ينهض التاريخ من تحت الركام
الأحد - 15 فبراير 2026 - 12:50 ص
صوت العاصمة/ تقرير/فاطمة اليزيدي:
من قلب زنجبار، عاصمة الكرامة في محافظة أبين، ارتفعت الأصوات مدوّية في ساحة الحرية، لا لتسرد شكوى عابرة، بل لتعلن حقيقة راسخة تعمّدت بسنوات طويلة من الصمود والتضحيات ، هنا، حيث الأرض تعرف أسماء شهدائها، وحيث الجراح لم تُنسَ رغم تعاقب العقود، وقفت الحشود المليونية في مليونية الثبات والوفاء لتقول للعالم: الجنوب ليس رقمًا عابرًا في معادلة السياسة، بل إرادة شعب لا تنكسر.
لقد تعرضت أبين، كما بقية محافظات الجنوب العربي، لسنوات من السياسات التي يعتبرها أبناؤها إقصائية وممنهجة، حاولت طمس الهوية وإضعاف الصوت وإرباك الصف ؛ غير أن ما لم يدركه خصوم الجنوب أن الشعوب التي تختبر الألم طويلًا ، تتقن الصمود أكثر، وتتحول من ضحية إلى قوة واعية تعرف ماذا تريد.
*رسالة من ساحة الحرية… إلى الداخل والخارج:
من منصة ساحة الحرية، لم تكن الرسالة محلية فحسب، بل إقليمية ودولية ؛ فالمشهد الجماهيري الممتد من باب المندب غربًا إلى المهرة شرقًا ، يؤكد أن القضية الجنوبية لم تعد مطلب نخبة، بل عنوان شعب بأكمله ، شعبٌ يرى في التظاهر السلمي حقًا مشروعًا تكفله القوانين والأعراف الدولية، ويعتبر صوته الجماهيري أداة ضغط حضارية تعبّر عن وعي سياسي متقدم.
لقد أثبتت المليونيات أن الشارع الجنوبي حين يحتشد، فإنه يحتشد بوعي وتنظيم ورسالة واضحة: لا عودة إلى الوراء، ولا قبول بسياسات تُفرض دون إرادة الناس ، هذا الزخم الشعبي يكشف أيضًا حجم القلق الذي يثيره الصوت الجماهيري لدى خصومه، إذ ترتعد حساباتهم أمام مشهد الجماهير الموحدة.
*بين الوعي الشعبي.. وتحديات الواقع:
إن ما يميز الانتفاضة الشعبية الجنوبية اليوم ليس فقط كثافتها العددية، بل مستوى الوعي السياسي الذي يحمله المشاركون فيها.
فالجماهير لم تعد تتحرك بردود فعل آنية، بل وفق رؤية تعتبر أن تقرير المصير والتمثيل العادل والكرامة الوطنية قضايا غير قابلة للمساومة.
وفي خضم هذه التحركات، تتجه أصابع الاتهام لدى قطاعات واسعة من الشارع نحو سياسات السلطة القائمة برئاسة رشاد العليمي، والتي يرى منتقدوها أنها فشلت في بناء شراكة حقيقية أو معالجة جذور الأزمة، بل عمّقت فجوة الثقة بين المركز والجنوب ، كما يرفض المحتجون أي تدخلات خارجية يعتبرونها داعمة لسياسات لا تعبّر عن تطلعاتهم.
*أبين… عنوان الثبات:
أبين اليوم ليست مجرد محافظة؛ إنها رمز ، رمز للصبر حين يطول الامتحان، ورمز للوفاء لتضحيات الماضي، ورمز لإرادة لا تلين ؛ فمن بين ركام المعاناة، خرجت لتعلن أن الجنوب العربي شعب عصيّ على الانكسار، عنيد في الدفاع عن هويته، قوي الإرادة، واسع الوعي.
لقد حاولت قوى عديدة عبر الزمن إعادة تشكيل الواقع الجنوبي وفق حساباتها الخاصة، لكن ما حدث في ساحة الحرية يؤكد أن المعادلة تغيّرت ؛ فالشعب الذي يملأ الساحات بالملايين، لا يمكن تجاوزه أو تجاهل صوته ، والرسالة التي خرجت من أبين واضحة: الحقوق تُنتزع بالإرادة الجماعية، والصوت الحر أقوى من كل محاولات التهميش.
*خاتمة :
من أبين الأبية، ومن كل شبر جنوبي يمتد من البحر إلى الصحراء، يرتفع قسمٌ جماهيري لا يهادن: سنبقى أوفياء لقضيتنا، ثابتين على مبادئنا، متمسكين بحقنا في التعبير السلمي عن إرادتنا ، قد تتكاثر التحديات، وقد تتعاقب الضغوط، لكن إرادة الشعوب حين تستيقظ لا تنام.
والجنوب، كما أثبتت مليونياته، ليس ظلًا في المشهد… بل هو المشهد ذاته، عنوانه الصمود، وخاتمته الحرية.