مقالات صحفية


قصف قوات الجنوب: بين سرديات التضليل وسندان الحقيقة

الأربعاء - 04 فبراير 2026 - الساعة 01:27 ص

د.  أمين العلياني
الكاتب: د. أمين العلياني - ارشيف الكاتب




تتوالى الأحداث في المشهد الجنوبي متسارعةً، وكأنها مشاهد من فيلمٍ مُحكم الإخراج، تتداخل فيه الخطوط وتتشابك الخيوط حتى تُصيب المُتابع بصدمة التناقض، وعند التروي والتأمل؛ بهدف انتشال العقل من وهج التصريحات وتيارات الأخبار المتلاطمة، نغوص إلى الأعماق حيث تكمن الحقائق وتُحاك المخططات.

في هذا التداخل للسرديات، وتشابك الروايات، وانتزاع المعاني من حقائقها، يبرز فنُّ صياغة السرديات كأداةٍ حربيةٍ فاعلةً؛ فهي لعبة خطابية تحاول أن تُظهر المحتوى الوهمي على أنه حقيقة لا تقبل الشك، صُمِّمت لإرباك المتابع وتشويش إدراكه وتشويه الحقيقة وتغييبها، وهو ما حصل في المشهد الجنوبي المتأجج، حيث يبرز مثالان صارخان يكشفان آلية هذه الصناعة المعتمة.

الأول: تلك السردية المتكررة التي تُحاول، بعنادٍ مريبٍ، تصوير القوات التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي المشكلة ضمن إطار الشرعية على أنها خطرٌ على الأمن القومي السعودي، وهي مقولة تنهار أمام أبسط قواعد المنطق والواقع؛ فكيف لقوةٍ تنشأ وتتطور بدعمٍ مباشرٍ من هذا التحالف، وتقاتل ضمن أهدافه المعلنة ضد مليشيات الحوثي والإرهاب والتهريب، أن تتحول بين ليلة وضحاها إلى تهديدٍ وجوديٍّ؟ إنها سرديةٌ تخدم، قبل كل شيءٍ، ذلك العدو المشترك الذي يسعى إلى تفكيك أي تحالفٍ يمنعه من تحقيق مآربه التوسعية.

الثاني: هو ذلك الاختفاء المفاجئ والغامض لآلاف الحسابات الرقمية التي كانت، حتى وقتٍ قريبٍ، تملأ الفضاء الإلكتروني بهتاف دولة حضرموت، وتشن هجومًا كرًّا وفرًّا، ممنهجًا وذا بصمة تمويل واضحةٍ، على أبناء يافع وردفان والضالع والصبيحة وأبين وشبوة. كان الهدف ظاهرًا: إشعال فتيل الفتنة الداخلية، وتفتيت النسيج الاجتماعي الجنوبي، وتحويل قضيته الواحدة والمصيرية العادلة إلى صراعات هويات فرعية. فلماذا توقفت هذه الآلة الإلكترونية فجأةً؟ وأين ذهب دافعو فاتورتها بمجرد ضرب القوات الجنوبية؟

عند الربط بين هذين المسارين – ترويج الخوف من الدعم الجنوبي، وتفكيك الجنوب من داخله – تتجلى الصورة الكاملة بكل وضوحها، ويتبين أن الحقيقة لا مكان للعفوية فيها هنا، ولا مجال للصدفة، وأصبح كل شيءٍ يسير وفق نسقٍ موحَّدٍ، تحضيرًا لمرحلةٍ تريد إعادة ترتيب الأوراق، ليس لصالح الجنوب وقضيته، بل لصالح قوى أخرى تخشى من بروز كيانٍ جنوبي قويٍّ ومستقرٍّ وهو ما أثبت رغبة الرياض في حل المجلس الانتقالي بلسان حال الوفد المشارك تحت ضغوطات لا يمكن أن يصدقها أي عاقل.

وفي خضم هذه العواصف المصطنعة، تبقى الحقيقة التاريخية والواقعية كالجبل الراسخ: الرئيس عيدروس الزبيدي يمثل الرقم الصعب والمعادلة الثابتة في زمن التحولات الجيوسياسية الهاربة من منطق الحق والاعتراف من قضية شعب الجنوب وغياب الرؤية الواضحة في حلها، وهو المسار الذي قاده، والمتمثل في القضاء على الخلل المؤسسي الخطير، والإصلاح الجذري، وتطهير صحاري ووديان حضرموت والمهرة من بؤر الإرهاب والتهريب، وقطع منابع التمويل التي ظلت لسنواتٍ تغذي مليشيات الحوثي الإيرانية، كل ذلك لم يكن سوى خطواتٍ استراتيجيةٍ جوهريةٍ حاول المجلس الانتقالي الجنوبي ساعيًا من خلال توحيد الجغرافيا الجنوبية وتأمينها، إلى تشكيل أرضية صلبة ورصينة تكون سندًا لأي تسوية سياسية مستقبلية، وتكون حصنًا منيعًا يدعم جهود التحالف العربي في حربه الحقيقية ضد العدو الحوثي المدعوم إيرانيًّا حربًا أو سلمًا.

ومن هذا المنطلق، تُفرض الحقيقة نفسها بسؤالٍ محوريٍّ وجوهريٍّ: مَنْ يستفيد من ضرب القوات الجنوبية ومحاولة تفكيكها وإقصاء رموزه الوطنية وتخوينها؟ هل الضرب العشوائي الذي تتعرض له قوات المجلس الانتقالي الجنوبي – التي هي جزءٌ لا يتجزأ من جسد الشرعية – يخدم في النهاية المليشيات الحوثية، أم أنه يحقق أهدافًا وتطلعاتٍ أخرى، قد يكون التحالف العربي السعودي نفسه، بحساباتٍ معقدةٍ، ضحيَّةً لها أو شريكًا فيها، على حساب حماية الشرعية التي يُفترض أنها المظلة والهدف والمجلس الانتقالي الجنوبي شريكًا رئيسًا فيها؟ أليست هذه الشرعية نفسها تُستخدم أحيانًا كغطاء لمشاريع وأهداف مستقبلية قد تتعارض مع تطلعات الشعب الجنوبي في الحرية والاستقلال على حساب قوى لم تحرر سوى مديريات في محافظات معينة في أراضيها؟

السؤال هنا ليس اتهامًا، بل هو محاولةٌ لفكِّ الاشتباك بين الخطاب والممارسة، بين الدعم المعلَن والمصلحة الخفية، ويصبح كشف محتوى السرديات هو عملية إنقاذ للوعي، واستعادة للحقيقة من براثن التلاعب؛ لتصبح في النهاية، انتصارًا للجغرافيا الموحَّدة، والإرادة الشعبية، وتبقى الحقائق الثابتة أقوى من أي سرديةٍ مُلفَّقة، مهما بلغت قوة داعميها أو عبقرية مُصمميها.

ويبقى التساؤل المحرج: في خدمة مَنْ يكون ضرب قوات المجلس الانتقالي الجنوبي؟
وهنا يصل التحليل إلى منعطفه الأكثر إيلامًا: الضرب الذي تعرضت له قوات المجلس الانتقالي الجنوبي من الطيران السعودي غير المبرر– التي هي جزء لا يتجزأ من جسم الشرعية – هل كان في خدمة الحوثي أم لتحقيق تطلعات للتحالف العربي نفسه؟ أم الأمرين معًا؟

إن استهداف قوة تقاتل على خطوط التماس مع العدو الحوثي، وتسعى إلى تجفيف مصادر تمويله، وتؤمن حدود دولة مجاورة، يطرح تساؤلاتٍ مصيرية عن حسابات ذلك الاستهداف. هل هو خطأ تكتيكي؟ أم هو قرار استراتيجي يرسم خريطة المستقبل بألوان تختلف عن ألوان الحاضر؟ وأي أهداف مستقبلية يريد التحالف العربي تحقيقها، تكون على حساب حماية الشرعية التي اتخذها ذريعةً ومظلة لتحركاته طوال السنوات الماضية؟

إنها أسئلة لا تحتمل التأويل، وتستدعي إجابات شجاعةً؛ ففي الوقت الذي تستنزف فيه المليشيات الحوثية طاقة المحافظات المحررة، وتعبث بأمن المنطقة، يكون أي ضرب لظهر القوة التي تواجهها مباشرةً عملًا لا يمكن تفسيره إلا في إطار حساباتٍ أضيق وأبعد نظرًا من معركة اليوم.

وعند مواجهة السردية بالحقيقة، يعود الأمر كله إلى السرديات: سردية الخطر الوهمي التي تُصنع في ورشٍ إعلامية مُظللة، وسردية الفتنة الداخلية التي تموت فجأة بعد أن تؤدي دورها، وسردية الشرعية الهاربة على حساب شرعية الأرض التي تُستغل كشعار ثم تُطعَن في ظهرها عند أول منعطف، وفي الوقت ذاته تصبح مواجهة هذا الطوفان المصنوع، لتظهر الحقيقة سلاحًا وحيدًا.

والحقيقة هنا هي أن الجنوب، بقواه المتحدة وأرضيته المتماسكة، يمثل حجر الزاوية في أي استقرار قادم، وأن أي محاولة لزعزعته أو إضعافه هي، عن قصد أو غير قصد، خدمة مجانية للمشروع الإيراني الحوثي والقوى الإخوانية المتخادمة معه، وأن الرهان على شق صف الجنوب هو رهان خاسر، لأن شعب الجنوب الذي عانى مرارة التقسيم والتدخل لن يسمح بتكرار المأساة مهما كلف الأمر من ثمن.

فليكن الحذر شعارًا، والوعي باللعب على حبال السرديات المُضللة منهجًا، وتصبح المعركة القادمة، على ما يبدو، هي معركة الرواية قبل أن تكون معركة الساحة، وأن إضعاف الجنوب وإقصاء رموزه الوطنية وتفكيك قواته لا يعني إلا حقيقة واضحةً: هي عدم وجود نية صادقة في حل قضية شعب الجنوب؛ بوصفها قضية دولة وهوية وانتماء وجغرافيا، وليست مظلومية حقوق يمكن حلها باستراتيجيات الاحتواء.




الأكثر زيارة


بعد عودته من الرياض الصحفي عدنان لعجم يسرد تفاصيل ماحدث لأول.

الثلاثاء/03/فبراير/2026 - 08:43 م

أدلى الصحفي عدنان لعجم بتصريحات هامة فور وصوله إلى العاصمة عدن، كشف خلالها عن كواليس اللقاءات التي شهدتها العاصمة السعودية الرياض بشأن القضية الجنوبية


عاجل : اغتـ.ـيال سيف الإسلام القذافي في منزله.

الثلاثاء/03/فبراير/2026 - 09:59 م

أكد مصدر مقرب من عائلة القذافي لـ"العربية/الحدث"، اليوم الثلاثاء، مقتل سيف الإسلام القذافي على يد 4 أشخاص، قرب مدينة الزنتان غربي البلاد. كما أضاف الم


ليلى عبد اللطيف تتوقع مفاجآت جوية في اليمن خلال رمضان .

الثلاثاء/03/فبراير/2026 - 02:01 م

أثارت الفلكية اللبنانية ليلى عبد اللطيف موجة من التفاؤل بتوقعات جديدة ومثيرة حول المشهد اليمني خلال شهر رمضان المبارك، حيث وضعت اليمن في صدارة الأحداث


مدير شرطة المنطقة الحرة يكشف حقيقة اندلاع حريق في ميناء عدن.

الثلاثاء/03/فبراير/2026 - 04:42 م

نفى مدير عام شرطة المنطقة الحرة في العاصمة عدن، العميد ركن سليم المحثوثي، صحة ما أُشيع اليوم الثلاثاء، عن وقوع حريق في شاحنات نقل ثقيل بداخل حرم ميناء