مقالات صحفية


السفينة البريطانية وحلف حضرموت: ذريعة سعودية للوصاية على الجنوب

الإثنين - 09 مارس 2026 - الساعة 12:11 ص

د.  أمين العلياني
الكاتب: د. أمين العلياني - ارشيف الكاتب




في علم السياسة، كما في علم الاجتماع، تظل الذريعة أخت الغاية، والتبرير توأم الفعل، وما تمويه الأهداف بتعدد الأسماء وتنقل المراحل إلا استراتيجية قديمة تتجدد في صراع الأمم والشعوب.

والمشهد السياسي في الجنوب العربي اليوم، وإن بدا معقدًا بتشابكاته الإقليمية والدولية، إلا أنه يفضي إلى حقيقة واحدة لا تتغير: استهداف المشروع الوطني الجنوبي، بكل ثقله السياسي وشرعيته النضالية، تحت مسميات متغيرة وذرائع متجددة.

لقد ظل المجلس الانتقالي الجنوبي وقيادته السياسية على مدى أحد عشر عامًا ماضية أنموذجًا للصبر الاستراتيجي والوفاء بالالتزامات، حافظًا للعلاقة مع التحالف العربي، راعيًا للاتفاقيات الموقعة، رغم ما جرى ويجري على أبناء الجنوب من سياسات تجويع ممنهجة، وتردٍ كارثي في الخدمات، وشلل تام في عجلة التنمية، وتهاوٍ غير مسبوق في العملة الوطنية، في ظل وصاية سعودية مطلقة على حكومة الشرعية اليمنية التي يمثلها رشاد العليمي ومن خلفه أجندة الإخوان المسلمين. وكان الهدف الأسمى من هذا الصبر الطويل للانتقالي، وهذا الالتزام الحرفي بالنصوص الموقعة، هو الحفاظ على قضية شعبه الوطنية من الالتفاف والاقصاء، وعدم إعطاء أي ذريعة لإنهاء الدور الجنوبي الفاعل في المعادلة الإقليمية، لكن يبدو أن هذا الصبر نفسه، وهذا الثبات على المبادئ، قد أصبح مصدر إزعاج وإحراج لمن خططوا لطي قضية شعب الجنوب نهائيًا.

ولما تعذر على السعودية وأدواتها في الشرعية اليمنية إقصاء المجلس الانتقالي الجنوبي، أو فرض الوصاية عليه، تنقلت بهم المراحل والأدوات، فكان الانقلاب على النخبة الشبوانية، واستقدام قوات مأرب لاحتلال عدن في العام 2019م، وإشعال فتيل الحرب الأهلية بين أبناء الجنوب في شقرة والشيخ سالم وتوقيف الرواتب على القوات الجنوبية. ولم تكن تلك الأحداث سوى حلقات في مسلسل طويل الهدف منه إخراج قضية شعب الجنوب من سياقها الطبيعي، وتفريغ الاتفاقيات الدولية والإقليمية، وفي مقدمتها اتفاق الرياض وآلية نقل السلطة، من مضامينها الحقيقية التي تعترف بالواقع السياسي الجنوبي.

وحين أدركت الدوائر القريبة من صانع القرار السعودي، بمساعدة خبراء الأجندة اليمنية في الرياض، أن المجلس الانتقالي الجنوبي قد صار عصيًا على الإضعاف أو الابتلاع، وأن مشروعه السياسي في استعادة دولة الجنوب كامل السيادة قد تحول إلى خيار نضالي واستراتيجي جامع، انتقلت المؤامرة إلى مربع جديد، تمحور في مربع حضرموت.

هنا، وبموافقة وتوقيع من رئيس ما يسمى بمجلس القيادة، بدأت السعودية بتفعيل الورقة القبلية، مستثمرة بعض الولاءات والعلاقات المالية والإغراءات، لخلق تمرد على السلطة المحلية بحضرموت. وكانت النتيجة منع توفير النفط لمحطات الكهرباء، ليس في حضرموت فحسب، بل وفي عدن وبقية المحافظات الجنوبية، في خطوة تهدف إلى تعميق معاناة المواطن واستخدامه ورقة ضغط لعل الشعب يخرج على المجلس أو تضعف شعبيته أو دفعه إلى خيارات تنقل الشعب وهي المكيدة التي وجدت بها السعودية ضالتها الأخيرة.

إن ما يحدث في حضرموت اليوم ليس حبًا في أبناء المحافظة، ولا دفاعًا عن حقوقهم في الحكم الذاتي كما زعموا، بل هو ذريعة مسمومة بامتياز. إن الهدف السعودي من انفلات الأوضاع هناك هو استدراج المجلس الانتقالي الجنوبي إلى التدخل لفرض الأمن والاستقرار، ليصبح هذا التدخل نفسه "مطبًا" يستغل لاحقًا لاتهام الانتقالي بالسعي لاحتلال حضرموت، أو لجر قواته إلى مستنقع صراع قبلي مكلف في حرب أهلية. فما يسمى "حلف حضرموت" ليس سوى غطاء قبلي لتنفيذ أجندة خارجية، هدفها ايقاع قوات المجلس الانتقالي الجنوبي في النوايا التي خطط لها السعودية، لتكون ذريعة لإنهاء مشروعه السياسي، وإقصاء رموزه الوطنية، تمهيدًا لتمرير التسوية السياسية التي تدار حاليًا على نار هادئة بين السعودية والحوثيين بوساطة عمانية على حساب قضية شعب الجنوب وثرواته.

تلك التسوية التي يرفضها المجلس الانتقالي الجنوبي رفضًا قاطعًا، لأنها لا تحمل أي ذكر لقضية شعب الجنوب، ولا تعترف بمكتسبات قواته التي سطرت أروع ملاحم البطولة، وقدمت قوافل من الشهداء والجرحى في سبيل تحرير الأرض والعرض. إنها اتفاقية تصب في صالح الحوثي أولاً، وفي صالح مشروع الوصاية السعودية التوسعية ثانيًا، ولا علاقة لها بحقوق شعب الجنوب الذي يتطلع إلى استعادة دولته كاملة السيادة.

وهنا، لو تمعن القارئ السياسي في هذا المشهد المركب، لوجد تشابهًا صارخًا مع التاريخ. فكما كانت "السفينة البريطانية" التي أغرقت قبالة سواحل عدن في القرن التاسع عشر ذريعة لشرعنة التدخل العسكري البريطاني واحتلال عدن ووضعها تحت الوصاية، ها هي ذريعة "منع الحرب الأهلية بحضرموت" تستخدم اليوم. لكن الفرق أن الطامع اليوم ليس بريطانيا العظمى، بل جار يريد فرض الوصاية تحت مسميات التحالف، وتحت ذرائع حماية الأمن القومي العربي، بينما الهدف الحقيقي هو إسقاط المشروع الوطني الجنوبي وإخضاع الإرادة الجنوبية لمشاريع تسوية لا تراعي الحق الجنوبي في استعادة دولته ولا تعترف بالتضحيات التي قدمتها قواته.

إن الجنوب اليوم أمام اختبار تاريخي؛ اختبار الثبات على الموقف، والحفاظ على المكتسبات، وكشف الذرائع قبل الأفعال. وإن اختلفت المسميات وتعددت المراحل، يبقى الهدف واحدًا: الجنوب العربي حرًا مستقلاً، كامل السيادة، عصيًا على الوصايات والمؤامرات.




الأكثر زيارة


الضالع .. الأنصار والعرشي يحجزان بطاقة العبور إلى النهائي في.

الأحد/08/مارس/2026 - 11:21 م

في أمسية رمضانية ثقافية مميزة وحماسية، شهدت منافسات الدور الثاني من المسابقة الرمضانية الثقافية الحادية عشرة التي تقيمها جمعية أبناء مدينة الضالع الخي


عاجل: وفاة رجل الأعمال اليمني الحاج علي عبده ثابت أحد مؤسسي .

الأحد/08/مارس/2026 - 11:18 ص

توفي رجل الأعمال اليمني البارز الحاج علي عبده ثابت، أحد أبرز مؤسسي شركة إخوان ثابت، بعد مسيرة طويلة وحافلة في مجال التجارة والاستثمار، كان خلالها من ا


مديرية الحصين تُسيّر أولى قوافل الدعم للمرابطين وسط التفاف ش.

الأحد/08/مارس/2026 - 09:25 م

في مشهد يجسد روح التلاحم والتكافل بين أبناء المجتمع، سيّر أبناء مديرية الحصين بعد ظهر اليوم الأحد 8 مارس 2026م قافلة غذائية لدعم المرابطين في جبهات ال


خمسة أعوام على رحيل أبي الشهداء يحيى الشوبجي… الرمز الذي لن .

الإثنين/09/مارس/2026 - 12:53 ص

في مثل هذا اليوم تتجدد في الوجدان الجنوبي ذكرى استشهاد القائد الجسور أبي الشهداء يحيى الشوبجي، تلك القامة النضالية التي لم تكن مجرد اسمٍ مرّ في صفحات