مقالات صحفية


حـ.ـرب الخسارة المسبقة.. لا تقفوا في الجانب الخطأ من التاريخ

الأربعاء - 08 أبريل 2026 - الساعة 12:32 ص

د.حسين لقور بن عيدان
الكاتب: د.حسين لقور بن عيدان - ارشيف الكاتب




هذه ليست مجرد عبارة توجيهية، بل هي قراءة موضوعية لمسارٍ سياسي يسير بخطى واثقة نحو الفشل. ما يجري في الجنوب العربي اليوم ليس أزمةً إدارية يمكن احتواؤها بتغيير الأدوات أو توزيع المال، بل هو مواجهة بين إرادة وطنية جنوبية تراكمت عبر عقود، وسياسات إقليمية لا تزال تراهن على الحلول الخاطئة.

أولًا: غير أن الصراع في جوهره هوياتي، وهناك خطأ بنيوي في فهم تشخيص هذا الصراع في إدارة ملف الجنوب العربي، حيث يقع الفاعلون الدوليون والإقليميون الرئيسيون في خطأ تشخيصي فادح؛ إذ يُتعامل مع ما هو في جوهره موقفٌ عام ومزاجٌ شعبيٌّ عميق، وإرادةٌ وطنيةٌ جنوبيةٌ متجذرة، كما لو كان تنظيمًا سياسيًّا يمكن احتواؤه، أو قيادةً يمكن شراؤها، أو أزمةً يمكن إدارتها بالمال والنفوذ.

والفرق بين الحالتين جوهريٌّ؛ فمواجهة تنظيمٍ سياسي لها أدواتها المعروفة: الاحتواء، التفكيك، شراء الولاءات، واستبدال القيادات. أما مواجهة مزاجٍ شعبيٍّ تراكميٍّ فلا أداة تقليدية تنفع معه، لأنه لا رأس له يُقطع، ولا مفاوض مقبول يمثله تمثيلًا حقيقيًّا. إنه يتغذى من الذاكرة الجمعية لا من قرارٍ قيادي، ويكبر مع كل إخفاقٍ جديد، ولا يتراجع.

ثانيًّا: لفهم المشهد لا بد من إدراك ثقل الذاكرة الجنوبية واستحضار التاريخ كما هو، لا كما نريده أن يكون.

دخل الجنوب مشروع الوحدة عام 1990 بآمالٍ كبيرة، لكنه وجد نفسه أمام واقعٍ مغاير. جاء غزو 1994 ليحسم هذا المشروع بالنار لا بالتراضي، ورافقه نهبٌ ممنهج للأراضي والمؤسسات، وإقصاءٌ واسع من الجيش والوظيفة الحكومية، وتهميشٌ متعمد استمر لعقود. لم تكن هذه مجرد أخطاءٍ إدارية، بل كانت سياسةً ممنهجة أفرزت جرحًا جمعيًّا لم يُعالَج يومًا.

ثم جاءت سنوات الحرب الأخيرة لتضيف فوق هذا الجرح طبقاتٍ جديدةً من المرارة. الجنوبي الذي قاتل ضد الحوثي لم يجد في المقابل دولةً تحضنه، ولا مشروعًا سياسيًّا يُنصفه، بل وجد نفسه في مواجهة الفساد والإقصاء مجدداً، لكن بوجوهٍ مختلفة.

هذه الذاكرة الثقيلة لا تُمحى بالمال، ولا تُسكت بتوزيع النفوذ على أراذل الناس. إنها تتراكم، وتتخمّر، وتنتظر.

ثالثًا: دخلت القوى الإقليمية الحرب اليمنية عام 2015 مدعومةً بقرارٍ دولي تحت شعار إعادة الشرعية، وهنا كمن الفخ الأكبر. فالشرعية التي يُدافَع عنها هي في الوجدان الجنوبي رمزُ الاحتلال ومصدرُ القمع التاريخي. وبذلك نشأ مأزقٌ تاريخيٌّ متناقض: مواجهة طرفٍ مرفوضٍ شعبيًّا، بالتوازي مع دعم سلطةٍ مرفوضةٍ أيضًا، دون امتلاك مشروعٍ حقيقيٍّ يعالج جوهر القضية الجنوبية.

وزاد الطين بلة أن أدوات إدارة هذا الملف قامت على منح القوة والمال لمن لا يمثلون الإرادة الشعبية الحقيقية، وهو خيارٌ يبدو مريحًا على المدى القصير، لكنه يحمل بذور غضبٍ عامٍّ متراكم تجاه الداعم والمدعوم معًا. فالتاريخ لا يرحم من يراهن على الأدوات الفاسدة، وما يبنيه المال من ولاءات يهدمه المال نفسه حين ينضب أو تتغير موازين المصالح.

رابعًا: من هنا يمكن القول – بموضوعيةٍ وبعيدًا عن العاطفة – إن في الجنوب اليوم تُخاض حربُ خسارةٍ مسبقة.

ليس لأن الإمكانات محدودة، ولا لأن الخصوم أقوى عسكريًّا، بل لأن المواجهة قائمة مع شيءٍ لا يمكن إخضاعه بالأدوات التقليدية: إرادةٌ وطنيةٌ تراكمت عبر عقودٍ من القمع والإقصاء والخذلان.

النصر الوحيد الممكن في مواجهة إرادةٍ وطنيةٍ حقيقية هو استيعابها والاعتراف بها، لا تجاهلها أو الالتفاف عليها. لكن حتى اللحظة لا تبدو السياسات القائمة مستعدةً لدفع هذا الثمن السياسي، ولا تسير في اتجاهه.

وطالما بقيت الأدوات الفاشلة على حالها، فلن تكون النتيجة إلا مزيدًا من نزف الموارد، وتآكل النفوذ، وتعميق الفجوة مع المجتمع الجنوبي.

السؤال الذي يطرحه هذا المشهد بقوة: من يملك الشجاعة لمصارحة صُنّاع القرار المعنيين في عواصم التأثير بحقيقة فشل الأدوات ومخاطر المسار؟

في بيئاتٍ تُصنع فيها القرارات بعيدًا عن النقد والمحاسبة، نادرًا ما يصل جرس الإنذار في الوقت المناسب. لكن التاريخ لا ينتظر أحدًا، ومحاولة فرض قراءةٍ تخالف الواقع مآلها الفشل، لأنها تصطدم بقوانين الأشياء.

الجنوب العربي ليس ملفًا يُدار، بل شعبٌ يحمل ذاكرة، ويمتلك إرادة، وينتظر من يعترف بحقه في تقرير مصيره. ومن يقف في وجه هذه الإرادة بالأدوات الخاطئة، فهو يقف فعلًا في الجانب الخطأ من التاريخ.




الأكثر زيارة


بذريعة الأمن والاستقرار يستهدفون الجنوب أمنيا .

الأربعاء/15/أبريل/2026 - 12:13 ص

أن الأمن والاستقرار الذي تنعم به العاصمة الجنوبية عدن خلال سنوات سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي حتى اليوم قد كان بفضل الله ثم بفضل التضحيات الجسام من


رسالة شكر وتقدير من أبناء الضالع لإخوانهم في محافظة شبوة.

الثلاثاء/14/أبريل/2026 - 09:27 م

يتقدم أبناء محافظة الضالع بخالص الشكر وعظيم الامتنان إلى إخوانهم الكرام من أهل مطهر آل العريف، المصعبين بمديرية بيحان محافظة شبوة، على ما أبدوه من حسن


أمطار رعدية وسيول جارفة تضرب هذه المحافظات خلال الساعات القا.

الثلاثاء/14/أبريل/2026 - 03:24 م

حذر المركز الوطني للأرصاد والإنذار المبكر، اليوم الثلاثاء 14 أبريل 2026، من حالة جوية غير مستقرة تشمل هطول أمطار رعدية متفاوتة الشدة وموجة غبار قادمة


الحالمي وقيادة انتقالي وادي حضرموت يناقشان تطوير العمل التنظ.

الثلاثاء/14/أبريل/2026 - 02:38 م

اجتمع وضاح الحالمي، القائم بأعمال الأمين العام للأمانة العامة لهيئة رئاسة المجلس الانتقالي الجنوبي، بأعضاء من الهيئة التنفيذية المساعدة للمجلس بوادي و