عن وجعٍ في قلبي رأته عيني...
الإثنين - 01 يونيو 2026 - 12:10 ص
صوت العاصمة/ بقلم / ريا الشيخ
في مقدمة رواية �البؤساء�، لم يكن "فيكتور هوغو" يشيد للمجد الشخصي صرحًا من جراح الآخرين، بل كان يشرّح أوجاع البشرية ببصيرة فلسفية نافذة، تدرك يقينًا أن الفقر والجهل هما المهندسان الحقيقيان للجحيم على هذه الأرض؛ لقد كتب الرجل ليعرّي القبح لا ليتاجر به، وليمنح الألم صوتًا مقدسًا لا سلعةً تُباع وتُشترى.
ومن هنا، وقفتُ طويلًا أرقب مشهدنا المعاصر ببصيرةٍ غسلتها الأيام من غشاوة المظاهر، لا ببصرٍ يخدعه بريق الزيف الخاطف، فرأيتُ فجوةً وجوديةً سحيقة تفصل بين نوعين من البشر في هذا العالم؛ شتّان بين من يكتب لينقذ الضحية ويمنحها صوتًا وكرامة، وبين أولئك الذين يتهافتون على جراح الناس بنهمٍ ساديٍّ مقيت، ينبشون في آلام المعذَّبين ويستنزفون الوجع من القلوب الواهنة ليجعلوا من أنين الضعفاء حبرًا رخيصًا يسطّرون به فصولًا تافهةً من شهرتهم الزائلة.
فتبًّا لبلادة هذا الزمن الرقمي اللعين، هذا الزمن الذي مسخ المأساة الإنسانية وحوّلها إلى مجرد مادةٍ للاستهلاك، و�تريند� عابر يطارد الأرقام الجافة والمشاهدات البليدة، وجعل من انكسار النفوس وسقوطها سلّمًا قذرًا يصعد عليه أدعياء المجد، حتى أصبحت معاناة الإنسان لدى بعضهم فرصةً سانحةً للظهور والاستعراض، لا مسؤوليةً أخلاقيةً وهزّةً وجدانيةً تستدعي التعاطف والاحترام.
أما روحي أنا، العابثة بكل مغريات هذا العالم المجنون، المتمرّدة على قيوده وسخافاته، فتترفّع ترفّعًا مطلقًا وساخرًا عن اعتلاء منصات الشهرة إن كان ثمنها التطفل على أوجاع الآخرين أو عرقلة دموعهم؛ لن أكون يومًا، ولتنكسر الأقلام كلها، جزءًا من ذلك السيرك البشري المقزّز الذي يقتات على عري الروح وآلامها المتشظية، فالشهرة التي تُبنى على حساب دمعةٍ مكسورة أو صرخةٍ مكتومة ليست مجدًا رفيعًا، بل هي أشدّ صور الإفلاس الإنساني قبحًا وانحطاطًا....
Reia Al-Sheikh