مقالات صحفية


من لا يستطيع أن يعترض على ما حصل للانتقالي وقيادته وقواته لا يؤمن عليه في قيادة مسار ينتصر لقضية شعبه

الإثنين - 22 يونيو 2026 - الساعة 12:15 ص

د.  أمين العلياني
الكاتب: د. أمين العلياني - ارشيف الكاتب



في مَسرَحِ السياسةِ، حيثُ تتقاطعُ المصالحُ وتتصارعُ الإراداتُ، وحيثُ تُختَبَرُ المعادنُ على مَحَكِّ الدمِ والنار، ثمةَ لحظاتٌ فارقةٌ تكشفُ زيفَ الشعاراتِ وتُسقِطُ الأقنعةَ عن وجوهٍ ألفتْ مساحيقَ المواءمةِ والمسايرة. وما جرى ويجري في مشروع الجنوبِ العربيِّ ليس إلا فاصلةً كبرى من فواصلِ التاريخ، تتجلى فيها الحقائقُ عاريةً أمامَ أعيُنِ من كانوا يراهنون على صمتِ العبيدِ ووجومِ الأحرار.

ومن هنا، فما شهدتْه حضرموتُ والمهرةُ إلا فصولاً من العبثِ الممنهجِ الذي طالَ قواتِ المجلسِ الانتقاليِّ الجنوبيِّ العربيِّ، حين أمطرتْها السماءُ نارًا سعوديةً لا مبررَ لها إلا إرادةُ كسرِ مشروع الجنوب التحرري وإذلال إرادة شعبه الصلبة. ولم تكنْ تلك الغاراتُ لتستهدفَ قواتٍ عسكريةً وحسب، بل كانت تستهدفُ رمزيةَ المشروعِ الوطنيِّ الذي احتضنتْه قلوبُ الملايين، وتطلعاتِ شعبٍ توحدتْ إرادتُه على استعادةِ دولتِهِ كاملةَ السيادة. وكأنَّ الرياضَ أرادتْ أن تقولَ بلسانِ النارِ ما لا تستطيعُ أن تقولَه بلسانِ السياسة: إنَّ الجنوبَ الذي انتفضَ لن يكونَ إلا تابعًا، وإنَّ الإرادةَ الحرةَ لا مكانَ لها إلا في قاموسِ الوصاية.

ثمَّ تتابعتِ الأحداثُ كحباتِ سبحةٍ انقطعَ خيطُها، فإذا برئيسِ الانتقاليِّ ونائبِهِ يُقصيانِ من عضويةِ المجلسِ الرئاسيِّ، في مشهدٍ لا يخلو من دلالاتٍ عميقةٍ على أنَّ القرارَ لم يعُدْ جنوبيًّا، وأنَّ السيادةَ المسلوبةَ لم تعُدْ مجردَ شعارٍ يُرفعُ في الميادين، بل صارتْ واقعًا معيشًا يذوقُه الجنوبيونَ في لقمةِ العيشِ وفي أمنِ الطرقاتِ وفي قرارِ الحربِ والسلام. وجاءَ تفكيكُ القواتِ الجنوبيةِ تتويجًا لمخططٍ أُريدَ له أن يجردَ الجنوبَ من خاصرتِهِ الصلبة، تاركًا إياهُ تحتَ رحمةِ حربِ معيشةٍ مذلةٍ، تقودُ دفتَها الوصايةُ السعوديةُ من جهة، وقوى الاحتلالِ اليمنيِّ من جهةٍ أخرى، وكأنَّما اتفقَ الخصمانِ على تقاسمِ الغنيمةِ على حسابِ أهلِ الأرضِ المحررة وأصحابِ الحقِّ التاريخيِّ الأصيل.

ولم يقفِ الأمرُ عندَ هذا الحدِّ من المهانةِ والتجريف، بل سايرتِ الرياضُ مخططاتِها إلى ما هو أبعدُ حين أجبرتْ وفدَ الانتقاليِّ على حلِّ المجلسِ، وحاولتْ أن تفككَ أوصالَ المشروعِ الجنوبيِّ عبرَ تفريخِ المكوناتِ وتمزيقِ الهويةِ الوطنيةِ الجنوبيةِ الجامعةِ عبر تشجيع هوياتٍ محلية. وتلك سياسةٌ ممنهجةٌ انتهجتْها الرياض لا تستهدفُ جسمًا سياسيًّا بعينِه، بل تستهدفُ الروحَ الجامعةَ التي تجعلُ من الجنوبيين شعبًا واحدًا خلفَ قيادةٍ موحدةٍ وقضيةٍ واحدة. وكأنَّ من يديرُ اللعبةَ في غرفٍ مظلمةٍ يدركُ أنَّ الجنوبَ الموحدَ الإرادةِ هو الخطرُ الحقيقيُّ على مشاريعِ التبعيةِ والاستتباع، فجاءتِ الحربُ الإعلاميةُ لتستقطبَ المسوَّغينَ الإعلاميينَ الذين باعوا أقلامهم وضمائرهم بثمنٍ بخس، ونالوا من تضحياتِ شعبٍ لم يدخرْ دمَه في سبيلِ مشروعِه التحرري.

وهكذا أُدخِلَ الجنوبُ في حربٍ من الفوضى الخلاقة، انتقامًا من وحدةِ هذا الشعبِ حولَ إرادتِه الحرة، وقيادتِه المفوضةِ التي تقودُ المشروعَ التحرريَّ نحو تطلعاتِ الجماهيرِ وقضيتِها المصيرية. وهذه السياسة ما هي إلا لعبةٌ قديمةٌ تتجددُ في أثوابٍ جديدة: حين تعجزُ عن كسرِ الإرادةِ الجماعية، تلجأُ إلى تمزيقِ النسيجِ الاجتماعيِّ، وتفكيكِ المشروع الصلب إلى مكوناتٍ هشةٍ يسهلُ تطويعُها والتحكمُ بها.

أما أولئك الذين أبدوا استعدادَهم للخوضِ في المسارِ السعوديِّ الجديدِ المناهضِ لمشروعِ إرادةِ الشعب، فقد وضعوا أنفسَهم في موقفٍ لا يُحسَدونَ عليه، وأمامَ واقعٍ هو الأكثرُ إحراجًا لهم. كيف لا وهم الذين كانوا بالأمسِ القريبِ يتسابقون على منصاتِ الاحتفالاتِ ومواعدِ المناسباتِ الوطنيةِ الجنوبية، يجسدونَ رغبةَ الشعبِ وتطلعاتِهِ في نصرةِ قضيتِهِ واستعادةِ دولتِه، فإذا بهم اليومَ يجدونَ أنفسَهم منسلخينَ عن جماهيرِهم، غرباءَ عن نبضِ الشارعِ الذي لطالما صفَّقَ لهم ورددَ هتافاتِهم. إنهم الآنَ في وادٍ، والمجلسُ الانتقاليُّ بقيادتِهِ المفوضةِ وحاضنتِهِ الشعبيةِ في وادٍ آخر، مفصولينَ عن الواقعِ كأنَّما بينهم وبينَ حقيقةِ مشروعهم سدًّا منيعًا. وهذا الأمر ليس انتقاصًا من وطنيتهم ونضالهم، ولكنها حيلةُ الوصايةِ السعوديةِ التي وضعتْهم في هذا الموقفِ الحرج. ومن هنا، فالذي أرادَ أن يضعَك في هذا الموقفِ المحرجِ أمامَ إرادةِ شعبِك لا يُوثقُ به أن يمكِّنَك من الانتصارِ لمشروعِك التحرري.

والسؤالُ الذي يطرحُ نفسَه بإلحاحٍ اليوم: كيف لهؤلاءِ أن يدَّعوا القدرةَ على قيادةِ مسارٍ ينتصرُ لقضيةِ شعبِ الجنوب، وهم عاجزونَ حتى عن مجردِ الاعتراضِ على ما حصلَ ويحصلُ لقواتِهم وقياداتِهم ومشروعِهم الوطني؟ إنَّ العينَ التي لا تبصرُ الجرحَ، واللسانَ الذي لا يهتفُ بالحقِّ، واليدَ التي لا تمتدُ للدفاعِ عن الكرامة، كلُّها أعضاءٌ في جسدٍ لا يصلحُ لحملِ أمانةِ التحررِ وقيادةِ المشروعِ في نظرِ الملايينَ من الشعبِ التي تخرجُ في كلِّ احتفاليةٍ رافضةً لهذه الوصايةِ ومناهضةً للاحتلال.

إنَّ التاريخَ لا يرحم، والذاكرةَ الجمعيةَ للشعوبِ أشدُّ رسوخًا من صخورِ الجبال. وسيأتي يومٌ تُفتحُ فيه سجلاتُ المراجعةِ للمواقف وتقييمها، ويُسألُ كلُّ واحدٍ عن موقفِه: أينَ كنتَ حينَ قُصفتْ قواتُ شعبِك وحين تمَّ تفكيكُها؟ أينَ كنتَ حينَ أُقصيتْ قياداتُك؟ وصارتْ ملفًّا في سوقِ النخاسةِ التي تنتقصُ من نضالهم ووطنيتهم. أينَ كنتَ حينَ مُزقتْ هويةُ وطنِك وتحولَ مشروعُك الجامعُ إلى كياناتِ ارتزاقٍ لا نضال؟ وحينها لن تنفعَ الأعذارُ الواهية، ولا التأويلاتُ الباردة، ولا مسوغاتُ السياسةِ التي تبررُ كلَّ خنوع.

لقد صارَ لسانُ حالِ شعبِ الجنوب ينطقُ بالحقيقةِ المرة: من لا يستطيعُ أن يعترضَ على ما حصلَ للمشروعِ الجنوبيِّ التحرريِّ وقواتِهِ وقياداتِهِ، فهو غيرُ قادرٍ على حملِ مشروعٍ ينتصرُ لقضيةِ شعبِهِ، وغيرُ مؤهلٍ لقيادةِ مسارِ استعادةِ دولةِ الجنوب العربيِّ كاملةَ السيادةِ بأيِّ مسارٍ جديد. إنها معادلةٌ بسيطةٌ في ظاهرِها، عميقةٌ في جوهرِها: فاقدُ الشيءِ لا يعطيه، ومن لا يملكُ شجاعةَ الوقوفِ في وجهِ الباطل، لن يملكَ القدرةَ على صناعةِ الحق.




الأكثر زيارة


عاجل| اشتباكات مسلحة تهز مديرية التواهي بعدن.

الأحد/21/يونيو/2026 - 12:57 م

اندلعت، قبل قليل، اشتباكات مسلحة في مديرية التواهي بالعاصمة عدن، ما أدى إلى حالة من التوتر والاستنفار الأمني في أوساط المنطقة. وأفادت مصادر محلية بسما


سقوط ورقة الرياض الأخيرة.. الجنوب يرفض الوصاية.

الأحد/21/يونيو/2026 - 12:17 ص

شهدت الساحة الجنوبية في العاصمة عدن، اليوم، مظاهرة جماهيرية حاشدة توافد إليها عشرات الآلاف من أبناء الجنوب العربي، تأكيداً على أن المجلس الانتقالي الج


عاجل | إزالة لافتة «مليونية رفض الوصاية» وصور الرئيس الزُبيد.

الأحد/21/يونيو/2026 - 02:28 ص

أقدمت قوات الوصاية السعودية، فجر يومنا هذا الاحد، على إنزال اللافتة الرئيسية لمليونية "رفض الوصاية ومناهضة الاحتلال" وإزالة صور الرئيس القائ


التميمي: نجاح مليونيات رفض الوصاية محطة مفصلية بنضال الجنوب.

الأحد/21/يونيو/2026 - 11:22 م

أكد أنور التميمي، المتحدث باسم المجلس الانتقالي الجنوبي العربي، أن النجاح السياسي الكبير الذي حققته الفعاليات المليونية الأخيرة تحت شعار "رفض الوصاية