أ- المقدمة
إن القراءة الفاحصة للمشهد السياسي والعسكري في الجنوب العربي ، وتحديدا بعد التحولات السعودية الغادرة وغير المتوقعة التي شهدتها الساحة مطلع يناير ٢٠٢٦ ، تكشف عن نمط بنيوي تحول فيه طبيعة الدور الإقليمي للمملكة العربية السعودية من شراكة واستعادة شرعية إلى وصاية احتلالية مكتملة الأركان.
هذا التحول لم يكن وليد الصدفة ، بل جاء نتيجة استراتيجية سعودية ممنهجة استخدمت الوصاية كذريعة وغطاء سياسي ، بينما مارست الاحتلال كسلوك وممارسة فعلية على أرض الواقع.
ب-تحليل النقاط المحورية :
وهنا سيتم تفكيك هذا المفهوم وصياغته عبر الأبعاد السياسية والعسكرية والاقتصادية التالية:
أولا: التدثر بالوصاية للانقلاب على الشراكة
بدأت العلاقة السعودية بالجنوب العربي عام ٢٠١٥ تحت لافتة الشراكة الاستراتيجية لدحر المد الحوثي ، وهي الشراكة التي عمدت بدماء المقاومة الجنوبية التي حررت الأرض وثبتت المعادلة الميدانية.
إلا أن هذا المفهوم تعرض لانقلاب غادر من قبل المملكة تمثل في :
١- تجاوز الحليف الجنوبي على الأرض :
وتم ذلك حين تحول التواجد السعودي من قوة مساندة إلى سلطة وصاية فوقية تسعى لتجاوز تطلعات الشعب الجنوبي وحامله السياسي المجلس الانتقالي ورئيسه المفوض عيدروس الزبيدي رئيس الانتقالي والقائد الأعلى للقوات المسلحة الجنوبية.
٢- صفقات التقاسم السعودي الحوثي:
جاءت التفاهمات الأخيرة (مثل اتفاقية مسقط) لتعكس رغبة واضحة في تقاسم الجغرافيا والثروة الجنوبية بين السعودية والحوثيين وبمشاركة الأخوان اليمنيين وإعادة تدوير هذه القوى وتوطينها مجددا في الجنوب بعد أن دحرت منه عسكريا.
ثانيا: الممارسة العسكرية وتجريف عناصر القوة الجنوبية.
انتقلت الممارسة السعودية من الغطاء السياسي (الوصاية) إلى الفعل العسكري المباشر (الاحتلال)، وظهر ذلك جليا في مطلع يناير ٢٠٢٦ من خلال:
١-استهداف الطيران السعودي للقوات الجنوبية :
حدث ذلك جليا حين قصف الطيران السعودي القوات الجنوبية الحليفة في المهرة وحضرموت، وضرب التحصينات العسكرية ولا زال في كل من عدن، وشبوة والضالع، وطور الباحة، وهو سلوك لا يصدر عن حليف بل عن قوة احتلال تفرض إرادتها بالنار .
٣-التفكيك الهيكلي:
وهذا ما تم القيام به من قبل السعودية عن طريق الإجراءات التعسفية القائمة على
(تغيير وتحويل وتبديل) القيادات العسكرية الجنوبية، وتسريح الكوادر) بهدف إضعاف المؤسسة الدفاعية والأمنية للجنوب العربي وتحويلها إلى كيانات مشتتة بلا قرار مستقـل.
٤-محاولة الإنهاء السياسي للحامل السياسي:
وتم ذلك حين خططت المملكة وأدارت عملية إعلان حل المجلس الانتقالي الجنوبي وإغلاق مقراته ، ومواجهة الاحتجاجات السلمية بالرصاص والقتل والاعتقالات في المكلا، وسيئون، وشبوة وعدن، وبقية المناطق، مما يمثل تجريفا كاملا للمكتسبات السياسية والحريات العامة وهو سلوك لا يصدر عن حليف بل عن قوة احتلال تفرض قراراتها بالقوة .
ثالثا: حرب الخدمات والإخضاع الاقتصادي
لم يقتصر سلوك الاحتلال السعودي على الآلة العسكرية، بل تعداه إلى استخدام الاقتصاد وسيلة للإخضاع وكسر الإرادة الشعبية للجنوب العربي من خلال :
١-صناعة الأزمات المعيشية:
وهذا ما لحظه الجميع من خلال إدارة المملكة لحرب الخدمات الممنهجة التي تمثلت في قطع الكهرباء والمياه وتدمير العملة المحلية، ممّا أدى إلى غلاء فاحش وانهيار القدرة الشرائية للمواطن الجنوبي كأداة لإنهاكه وإشغاله عن مشروعه التحرري.
٢-نهب المقدرات السيادية:
السيطرة المباشرة من قبل المملكة على المنشآت الحيوية، والموانئ، ومنابع النفط والغاز في شبوة وحضرموت والمهرة، واقتطاع مساحات شاسعة من الأراضي الجنوبية لصالحها ، مما يؤكد السلوك الاستحواذي للاحتلال السعودي في جني الثروات وحرمان أصحاب الأرض من أبسط حقوقهم.
ج- الخلاصة:
إن مصطلح (وصاية الاحتلال السعودي للجنوب العربي) ليس مجرد شعار ، بل هو توصيف دقيق لواقع سياسي وميداني معيش ؛ حيث غدت الوصاية هي الغلاف الخارجي والمبرر القانوني ، بينما يمثل الاحتلال الجوهر الفعلي والممارسة اليومية التي تسعى لقضم الجغرافيا، ونهب الثروة، وتفكيك القوة الذاتية للجنوب العربي لحساب تفاهمات سعودية - حوثية
وصراعات نفوذ سياسية واقتصادية وعسكرية ضيقة.
د . يحيى شايف ناشر الجوبعي.