بين صنعاء وعدن: حين تضيع البوصلة
الجمعة - 27 فبراير 2026 - 12:09 ص
صوت العاصمة/ بقلم /حسين صائم الدهر
منذ أن سقطت صنعاء في قبضة جماعة الحوثي، لم تخسر النخب الشمالية مدينةً فحسب، بل خسرت مركز ثقلها السياسي والرمزي. المدينة التي كانت تُدار منها الخطب، وتُكتب فيها البيانات، وتُنسج حولها أحلام “اليمن الكبير”، أصبحت خارج متناولهم. وهكذا، بدل أن تتجه الأنظار شمالًا حيث تكمن العقدة، اتجهت جنوبًا حيث تبدو المساحة أكثر أمانًا وأقل كلفة.
في المقابل، تقف عدن بوصفها مدينة مختلفة في المزاج والذاكرة. فهي لم تنسَ أنها كانت عاصمة دولة مستقلة حتى لحظة إعلان الوحدة في اليمن الجنوبي، قبل أن تُطوى الصفحة في مايو 1990. ثم جاءت حرب 1994 لتضيف جرحًا آخر في الذاكرة الجنوبية، جرحًا لم يلتئم، بل تحوّل إلى مطلب سياسي واضح: فك الارتباط والعودة إلى ما قبل الوحدة.
المفارقة أن كثيرًا من النخب الشمالية، التي تعيش اليوم في المنافي أو في مناطق بعيدة عن مركز القرار، لم تعد تضع استعادة الشمال في مقدمة أولوياتها. لم تعد المعركة من أجل استرجاع صنعاء، بل من أجل منع عدن من أن تكون عاصمة لدولة أخرى. كأن المشكلة لم تعد في من سلبهم عاصمتهم، بل في من يريد استعادة عاصمته الخاصة.
هنا تضيع البوصلة.
منطق السياسة يقول إن من فقد أرضه يسعى لاستعادتها، ومن خسر عاصمته يعمل على تحريرها. لكن الخطاب السائد لدى بعض تلك النخب يتجه نحو الجنوب، محذرًا من الانفصال، ملوّحًا بشعارات الوحدة، ومستحضرًا “اليمن الكبير” كقيمة أخلاقية مطلقة. غير أن الشعارات، حين تُرفع من خارج الجغرافيا، تصبح أقرب إلى خطب وجدانية منها إلى مشاريع واقعية.
ثمة سؤال بسيط لكنه موجع: لماذا تبدو معركة الجنوب أكثر إلحاحًا في خطابهم من معركة صنعاء؟
أهو إدراك ضمني بأن استعادة الشمال معركة شاقة ومعقدة، بينما التأثير في مسار الجنوب ممكن عبر السياسة والإعلام؟ أم هو خوف من أن يؤدي استقلال الجنوب إلى تكريس واقع جديد، يضعهم أمام حقيقة أنهم بلا وطن واضح المعالم؟
في حال تحقق انفصال الجنوب، ستتغير الخريطة السياسية جذريًا. سيصبح الشمال ساحة صراع مغلقة ومعقدة، وستتقلص مساحة المناورة أمام من يرفعون شعار “اليمن الواحد” دون قدرة فعلية على فرضه. وربما لهذا السبب يتحول الجنوب، في خطابهم، من شريك مفترض إلى هاجس دائم.
المشهد يبدو أحيانًا كمن أضاع منزله، ثم انشغل بمراقبة بيت الجار لئلا يعيد ترتيب أثاثه. ليس بدافع الكراهية بالضرورة، بل بدافع القلق من أن يصبح فقدانه نهائيًا. فاستقلال الجنوب يعني أن مسألة الشمال ستبقى قضية شمالية خالصة، بلا مساحات رمادية.
السخرية هنا ليست للتشفي، بل لوصف مفارقة سياسية واضحة:
بدل أن يكون الهدف استعادة العاصمة، أصبح الهدف منع عاصمة أخرى من تقرير مصيرها. وبدل أن تتجه الطاقات نحو مواجهة من يسيطر على الشمال، تُستهلك في نقاشات حول حدود ما قبل مايو 1990.
إن أي مشروع سياسي، شمالي كان أم جنوبي، يحتاج إلى وضوح بوصلة. الجنوب يعلن بوضوح مطلبه كما يراه أنصاره: فك الارتباط والعودة إلى دولة مستقلة. أما بعض نخب الشمال، فيبدون عالقين بين حلم قديم وواقع جديد، بين خطاب وحدوي لا يملكون أدوات تحقيقه، وواقع ميداني لا يملكون تغييره.
وربما كان السؤال الأصدق الذي ينبغي أن يُطرح عليهم ليس عن الجنوب، بل عن صنعاء:
متى تعود البوصلة إلى اتجاهها
الطبيعي؟