الانتقالي يحسم الجدل ويغلق باب الانشقاق والمواقف الفردية
الإثنين - 02 مارس 2026 - 01:06 ص
صوت العاصمة/ تقرير / مريم بارحمة
تفرض التحولات السياسية الكبرى اختباراتها القاسية على تماسك الكيانات الفاعلة، حيث تتجلى قوة المؤسسات ليس في اتساع حضورها الجماهيري فحسب، بل في قدرتها على حماية بنيتها التنظيمية وإحكام وحدتها الداخلية أمام محاولات التشويش والاختراق. وفي هذا الإطار، برز البيان التوضيحي الصادر عن الجمعية الوطنية للمجلس الانتقالي الجنوبي، يوم الأحد 1 مارس 2026 من العاصمة عدن، كحدث سياسي لافت تجاوز كونه ردّاً تنظيمياً عابراً، ليحمل رسائل واضحة في اتجاهات متعددة، داخلياً وخارجياً، وليعيد ترسيم حدود الانضباط المؤسسي داخل أحد أبرز الفاعلين في المشهد السياسي الجنوبي.
البيان لم يكن مجرد رد على مقطع فيديو متداول عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، بل مثّل إعلان موقف سياسي واضح تجاه ما وصفته الجمعية بـ"المواقف الفردية" التي حاولت الظهور كصوت بديل أو ممثل لهيئة تنظيمية قائمة.
ومن هنا، تحوّل البيان إلى وثيقة سياسية تحمل أبعاداً تتجاوز الواقعة نفسها، لتلامس طبيعة الصراع السياسي القائم، ومحاولات التأثير على المشهد الجنوبي في مرحلة تُعد من أكثر المراحل تعقيداً منذ سنوات.
-فيديو محدود وصدى سياسي واسع
الواقعة التي دفعت الجمعية الوطنية لإصدار بيانها تمثلت في تداول مقطع فيديو ظهر فيه عدد محدود من الأشخاص، يتقدمهم المدعو أحمد عقيل باراس، أعلنوا خلاله تأييد ما وصفوه بقرار صادر من الرياض يقضي بحل المجلس الانتقالي الجنوبي. ورغم محدودية عدد المشاركين- الذين لم يتجاوزوا أصابع اليد الواحدة- إلا أن الحدث حظي بتفاعل إعلامي واسع، ما استدعى رداً رسمياً سريعاً.
اللافت أن الجمعية الوطنية لم تتعامل مع الواقعة باعتبارها مجرد مخالفة تنظيمية، بل قرأتها ضمن سياق أوسع من محاولات التشويش السياسي، وهو ما انعكس في لغة البيان التي اتسمت بالحزم والوضوح، مؤكدة أن من ظهروا في الفيديو لا يمثلون الجمعية بأي صفة تنظيمية.
هذا الموقف يعكس إدراكاً سياسياً بأن الحروب الحديثة لم تعد تدار فقط عبر الجبهات العسكرية، بل عبر الفضاء الإعلامي أيضاً، حيث يمكن لمواقف فردية محدودة أن تتحول- إذا لم يتم احتواؤها- إلى أدوات ضغط أو رسائل سياسية تستغلها أطراف أخرى.
-الانضباط التنظيمي كأداة حماية سياسية
أحد أبرز محاور البيان تمثل في تأكيد الجمعية الوطنية أن أي عضو لا يملك الحق في إصدار بيانات باسم المجلس أو الجمعية خارج الأطر التنظيمية. هذا التأكيد لم يكن إجراءً إدارياً فحسب، بل رسالة سياسية تهدف إلى حماية وحدة القرار داخل المجلس الانتقالي.
فالكيانات السياسية التي تمر بمرحلة صراع أو تفاوض عادة ما تكون عرضة لمحاولات الاختراق عبر خلق أصوات موازية أو إظهار انقسامات داخلية. ومن هنا، جاء التشديد على أن هذه الأفعال تُعد خروجاً عن الالتزام التنظيمي، بل إعلاناً عن الانتماء لأجندات خارج الصف الوطني، وفق نص البيان.
هذه الصياغة تحمل دلالات واضحة، إذ تضع الخط الفاصل بين حرية الرأي الشخصية والانتماء المؤسسي، مؤكدة أن العمل السياسي داخل المؤسسات يخضع لقواعد لا يمكن تجاوزها دون تبعات تنظيمية.
-قضية أحمد عقيل باراس: من العضوية إلى الفصل
البيان كشف أيضاً عن بعد مهم في القضية، حين أوضح أن الشخص الذي تصدر قراءة البيان المثير للجدل هو عضو سابق تم فصله قبل أسبوعين نتيجة مخالفات تنظيمية وتجاوزات واضحة.
إعلان هذه المعلومة لم يكن تفصيلاً ثانوياً، بل خطوة تهدف إلى نزع أي شرعية تنظيمية عن الواقعة، وإغلاق الباب أمام محاولات تصويرها كخلاف داخلي داخل الجمعية الوطنية.
كما أوضح البيان أن بقية المشاركين إما مستشارون غير أعضاء أو شخصيات لا تحمل أي صفة تنظيمية، ما يعزز رواية الجمعية بأن ما حدث لا يعدو كونه تحركاً فردياً محدود التأثير.
-الجمعية الوطنية.. شرعية التمثيل بالأرقام
في محاولة لإعادة تثبيت الصورة المؤسسية، شدد البيان على أن الجمعية الوطنية تضم فعلياً 371 عضواً يمثلون جميع محافظات الجنوب. هذا الرقم لم يرد عبثاً، بل جاء لتأكيد اتساع قاعدة التمثيل مقابل محدودية المجموعة التي ظهرت في الفيديو.
سياسياً، يشير هذا الطرح إلى أن المجلس الانتقالي يسعى لتقديم نفسه ككيان مؤسسي واسع التمثيل، وليس مجرد إطار قيادي ضيق، وهو أمر مهم في سياق الصراع على الشرعية السياسية في الجنوب.
-الالتفاف حول القيادة السياسية
من أبرز رسائل البيان التأكيد على الالتفاف خلف قيادة المجلس الانتقالي الجنوبي بقيادة الرئيس القائد عيدروس قاسم الزبيدي، باعتباره الحامل السياسي لقضية شعب الجنوب.
هذا التأكيد يعكس إدراكاً بأن أي محاولة لإضعاف القيادة أو التشكيك في شرعيتها تمثل مدخلاً لضرب وحدة المشروع السياسي بأكمله. لذلك جاء الخطاب واضحاً في ربط استمرارية المجلس باستمرارية قضية الجنوب ذاتها.
كما أشار البيان إلى التمسك بالإعلان الدستوري الصادر مؤخراً عن المجلس، وهو ما يعكس توجهاً نحو تعزيز الإطار القانوني والسياسي للمشروع الجنوبي في مواجهة أي محاولات لإلغائه أو تقليص دوره.
-الصلاحيات السيادية وحدود القرار
ويرى محللون سياسيون أن نقطة محورية في البيان تمثلت في تأكيد الجمعية أن مسألة حل المجلس الانتقالي أو استمراره ليست من صلاحيات أفراد أو جماعات، بل قرار سيادي حصري يعود لرئيس المجلس.
هذه الفقرة تحمل بعداً سياسياً مهماً، إذ تعيد تعريف مركز القرار داخل المجلس، وتؤكد أن أي حديث عن الحل خارج هذا الإطار يعد فاقداً للشرعية القانونية والتنظيمية.
كما تعكس محاولة واضحة لإغلاق الباب أمام أي سيناريوهات تُطرح إعلامياً حول إعادة تشكيل المشهد السياسي الجنوبي دون موافقة القيادة المعترف بها داخل المجلس.
-الرسائل السياسية غير المعلنة
ويرى مراقبون رغم أن البيان جاء بصيغة تنظيمية، إلا أنه حمل رسائل سياسية متعددة، يمكن قراءتها على ثلاثة مستويات:
رسالة داخلية: التأكيد على وحدة الصف ورفض أي انشقاقات أو مواقف فردية.
رسالة إقليمية: رفض أي قرارات أو تسريبات تتحدث عن حل المجلس خارج إرادة قيادته.
رسالة جماهيرية: طمأنة الشارع الجنوبي بأن مسار المجلس مستمر ولن يتأثر بمحاولات التشويش.
-الإعلام كساحة صراع موازية
الحادثة تكشف أيضاً عن تصاعد دور الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي في صناعة الأحداث السياسية. فمقطع فيديو محدود تحول خلال ساعات إلى قضية سياسية، ما يعكس طبيعة المرحلة التي أصبح فيها الإعلام أداة تأثير لا تقل أهمية عن القرار السياسي نفسه.
ولهذا جاء رد الجمعية سريعاً وحاسماً، في محاولة لمنع تضخم الرواية المضادة قبل أن تتحول إلى واقع سياسي.
-الجنوب بين التحديات الداخلية والضغوط الخارجية
يأتي البيان في وقت يواجه فيه الجنوب تحديات مركبة، تجمع بين تعقيدات المشهد الإقليمي والصراعات الداخلية ومحاولات إعادة ترتيب موازين القوى. وفي مثل هذه الظروف، تصبح وحدة المؤسسات السياسية عاملاً حاسماً في الحفاظ على الاستقرار السياسي.
ومن هنا يمكن فهم حدة لهجة البيان، التي عكست رغبة واضحة في إغلاق أي ثغرات قد تستغل لإحداث ارتباك داخل الصف الجنوبي.
-السيادة والشرعية الشعبية
ويوضح المحللون السياسيون أن البيان أختتم بلغة رمزية قوية حين أكد أن "السيادة لا تُحلّ ببيان، ولا تُلغى بتصريح"، في إشارة إلى أن الشرعية- وفق رؤية الجمعية - تستمد من الإرادة الشعبية وليس من مواقف فردية أو بيانات إعلامية.
هذه العبارة تعكس انتقال الخطاب من الإطار التنظيمي إلى البعد السياسي الرمزي، حيث يتم ربط بقاء المجلس بإرادة الجماهير الجنوبية.
-ماذا بعد البيان؟
يتوقع محللون سياسيون أن يشكل البيان نقطة فاصلة في ضبط الخطاب الداخلي داخل المجلس الانتقالي، وقد يقود إلى تشديد أكبر في الالتزام التنظيمي خلال المرحلة المقبلة.
كما أنه يرسل إشارة بأن القيادة السياسية ماضية في تثبيت مؤسساتها، وأن أي محاولات لإرباك المشهد ستواجه بردود سريعة وحاسمة.
في المقابل، قد تدفع هذه التطورات الأطراف المعارضة إلى تكثيف نشاطها الإعلامي، ما يعني أن المرحلة القادمة قد تشهد تصاعداً في الحرب السياسية والإعلامية أكثر من أي وقت مضى.
-إعادة رسم خطوط المعركة السياسية
في المحصلة، لم يكن بيان الجمعية الوطنية مجرد توضيح تنظيمي، بل إعلاناً سياسياً يعكس طبيعة المرحلة التي يعيشها الجنوب. فهو بيان دفاعي من حيث الشكل، لكنه هجومي من حيث الرسائل، أعاد تثبيت مفهوم الشرعية التنظيمية وحدد بوضوح من يملك حق التحدث باسم المجلس.
وبينما تستمر التحولات السياسية في المنطقة، يبدو أن المجلس الانتقالي الجنوبي يسعى إلى تحصين جبهته الداخلية أولاً، باعتبارها الأساس لأي مواجهة سياسية قادمة.
فالسياسة، كما تؤكد هذه الواقعة، لا تُدار فقط عبر القرارات الكبرى، بل أيضاً عبر القدرة على احتواء التفاصيل الصغيرة قبل أن تتحول إلى أزمات كبيرة. وفي هذا الإطار، جاء بيان الجمعية الوطنية ليغلق باباً حاول البعض فتحه، ويؤكد أن معركة الجنوب، كما تراها قيادته، ما تزال مستمرة، ولكن بصف موحد وخطاب أكثر صرامة.