صمت القوة أم حكمة التوقيت؟ لماذا اختارت الرياض عدم الرد العسكري على ضربات إيران
الثلاثاء - 03 مارس 2026 - 12:52 ص
صوت العاصمة/ متابعات
في لحظة إقليمية مشحونة بالتوتر، حيث تتسارع الضربات وتتعالى نذر المواجهة بين القوى الكبرى في الشرق الأوسط، بدا الموقف السعودي مختلفاً عن توقعات كثيرين كانوا ينتظرون رداً عسكرياً مباشراً على الضربات المرتبطة بطهران أو القوى المتحالفة معها. غير أن قراءة أعمق لسلوك الرياض تكشف أن ما يبدو صمتاً عسكرياً ليس بالضرورة ضعفاً أو تراجعاً، بل خياراً استراتيجياً محسوباً تحكمه معادلات أكثر تعقيداً من مجرد الرد الفوري.
السعودية تدرك أن أي مواجهة مباشرة مع إيران تعني الانتقال من مرحلة الصراع غير المباشر إلى حرب إقليمية مفتوحة، وهي حرب لا يمكن التحكم بنتائجها بسهولة، خصوصاً في منطقة تعيش أصلاً فوق طبقات متراكمة من الأزمات الأمنية والاقتصادية. فالرد العسكري المباشر قد يفتح جبهات متعددة تمتد من الخليج إلى البحر الأحمر، مروراً بالعراق واليمن، وهو سيناريو تدرك القيادة السعودية أن كلفته لن تكون عسكرية فقط، بل اقتصادية واستراتيجية طويلة الأمد.
منذ سنوات، أعادت الرياض صياغة أولوياتها الوطنية، واضعة الاستقرار الداخلي والتنمية الاقتصادية في مقدمة الحسابات. المشاريع الاقتصادية الكبرى، والتحولات المرتبطة برؤية المملكة المستقبلية، تحتاج إلى بيئة إقليمية أقل توتراً، لا إلى حرب تستنزف الموارد وتعيد المنطقة إلى دوامة عدم اليقين. ولهذا فإن القرار السعودي يميل إلى احتواء التصعيد بدلاً من توسيعه، حتى عندما تتعرض لضغوط سياسية أو أمنية.
كما أن السعودية لم تعد تنظر إلى الرد العسكري بوصفه الخيار الوحيد لإثبات الردع. فهناك أدوات أخرى أكثر تأثيراً في ميزان القوة الحديث، تشمل الضغط الدبلوماسي، والتحركات عبر التحالفات الدولية، وإدارة الصراع عبر القنوات الأمنية والاستخباراتية غير المعلنة. وفي كثير من الأحيان، يكون الرد غير المرئي أكثر إيلاماً من الضربة العسكرية التقليدية، خصوصاً في صراعات تعتمد على النفوذ والشبكات الإقليمية.
عامل آخر لا يقل أهمية يتمثل في التحولات التي شهدتها العلاقة السعودية الإيرانية خلال الفترة الأخيرة، حيث فُتحت قنوات تواصل أعادت مستوى معيناً من التهدئة بين الطرفين. هذا التقارب النسبي جعل الرياض أكثر حذراً من الانجرار إلى مواجهة قد تنسف مسار خفض التصعيد الذي ترى فيه فرصة لتقليل المخاطر الأمنية المباشرة، خاصة بعد سنوات من المواجهات غير المباشرة المكلفة.
إلى جانب ذلك، تدرك السعودية أن أي رد عسكري منفرد قد يخدم حسابات أطراف تسعى أصلاً إلى توسيع دائرة الصراع في المنطقة. فالتصعيد أحياناً يمنح الخصم ما يريده تماماً: نقل المعركة إلى مستوى شامل يخلط الأوراق ويعيد إنتاج الأزمات. لذلك، فإن الامتناع عن الرد قد يكون في ذاته قراراً هجومياً من حيث المعنى السياسي، لأنه يحرم الطرف الآخر من تحقيق هدف جرّ المنطقة إلى مواجهة مفتوحة.
ولا يمكن إغفال البعد الدولي في المشهد، إذ تتحرك الرياض ضمن شبكة علاقات معقدة مع الولايات المتحدة والقوى الكبرى، حيث تُفضّل هذه الأطراف غالباً احتواء التوتر بدلاً من انفجاره. ومن هنا يصبح ضبط النفس جزءاً من تنسيق أوسع يهدف إلى منع انهيار التوازن الإقليمي في لحظة عالمية حساسة تتقاطع فيها أزمات الطاقة والحروب الدولية.
في المحصلة، يبدو أن الرياض اختارت معركة مختلفة: معركة إدارة المخاطر بدلاً من استعراض القوة. فالدول الكبرى لا تقيس قوتها بسرعة الرد، بل بقدرتها على اختيار توقيت المواجهة وشكلها. وبين الضربة والصمت، قد يكون الصمت أحياناً هو الرسالة الأقوى، لأنه يعني أن القرار العسكري لم يُلغَ، بل أُجّل إلى اللحظة التي تحقق أعلى مكسب وأقل خسارة.
وهكذا، فإن عدم الرد العسكري السعودي لا يعكس غياب القدرة، بل يعبر عن تحول في فلسفة إدارة الصراع، حيث أصبحت الحرب آخر الخيارات لا أولها، وأصبح كسب الاستقرار الاستراتيجي أهم من كسب جولة عسكرية عابرة في منطقة لم تعد تحتمل حرباً جديدة