مداد العاصمة



أنور إسماعيل.. شهيد القضية لا "النصيحة"

الأربعاء - 11 مارس 2026 - 12:28 ص

أنور إسماعيل.. شهيد القضية لا "النصيحة"

صوت العاصمة/ كتب:هشام صويلح



أمس فقط، رحل أنور إسماعيل. اليوم، يطل علينا فتحي بن لزرق ليحول قبره الطري إلى منصة. لم ينتظر التراب أن يجف على جثمان المناضل، حتى بادر إلى استثمار موته لتمرير "نصيحة سمير": "لا شيء اسمه قضية".

قبل أن يُوارى الجثمان، كان بن لزرق قد وارى القضية في سويداء قلبه. الفرق أن أنور غادرنا في 9 مارس 2026، أما هذا الكاتب فدفن ضميره منذ سنوات. ثم جاء ليخبرنا أن النضال لا يستحق، مستعيناً بجثة لم تجف بعد.

يستهل بن لزرق مقاله باستحضار مشهد قديم من إسطنبول عام 2013، حيث التقط صوراً لصديقه سمير اليوسفي، ليكتشف هذا الأخير صوراً قديمة توثق مصادمات في عدن. وهنا تخرج "النصيحة" الشهيرة: "انتبه لنفسك.. أسرتك تحتاجك.. لا شيء اسمه قضايا ولا نضال.. هذه أشياء يقتلون بها الناس فقط!". وصفها الكاتب بأنها "ثمينة" و"تاريخية" و"لا تقدر بثمن"، حملها في قلبه سنوات، وكلما رأى نموذجاً للجحود قال في نفسه: "بوركت يا سمير لعقلك النير". حتى جاء خبر وفاة القيادي الجنوبي ليضع هذه النصيحة على محك الاختبار.

ويروي بن لزرق قصة الراحل بصورة درامية مؤثرة: رجل مات بعد أن عجز عن ثمن أنبوبة إنسولين، وبعد أن طرقت أسرته كل الأبواب فلم تجد استجابة. رحل أنور إسماعيل، بينما الذين صعدوا على ظهره لم يمدوا له يداً. ثم تأتي الخلاصة: "مافي حاجة اسمها الوطنية. الوطن في بلادنا مول في الشيخ عثمان والوطنية أسمنت حق بيت هائل.. هذه الحقيقة لا أكثر. على الأقل في هذه المرحلة".

لكن المشهد خلف كواليس المقال أكثر تعقيداً. سمير اليوسفي ليس مجرد صديق يقدم نصيحة عابرة، بل صحفي يمني (شمالي) معروف بموقفه الرافض لاستقلال الجنوب. أما بن لزرق نفسه فهو صحفي جنوبي، لكنه يرفض استقلال الجنوب ويدافع عن الوحدة اليمنية، في تناقض حاد بين هويته الجغرافية وموقفه السياسي. وأما أنور إسماعيل فهو النموذج النقيض: جنوبي آمن بقضيته، وضحى من أجل استقلال الجنوب، وظل صامداً حتى الرمق الأخير.

هذا هو المثلث الذي يدور في فلكه المقال، وهذا هو السياق الذي يجعل من "النصيحة" ورقة سياسية، ومن "التأبين" معركة رموز.

لماذا اختار بن لزرق أنور إسماعيل بالذات ليكون "شاهداً" على صحة نصيحة سمير؟ لأن الفقيد يمثل النموذج النقيض لكل ما يقف عنده. أنور آمن بالقضية الجنوبية، وبن لزرق يرفضها. أنور ضحى من أجل استقلال الجنوب، وبن لزرق يدافع عن الوحدة. أنور ظل صامداً حتى الموت، وبن لزرق يعترف بأنه توقف عن الخروج منذ 2013. الراحل، ببساطة، هو الضمير الحي الذي يفضح التناقض. كلما نظر بن لزرق في مرآة التاريخ، رأى أنور واقفاً هناك: جنوبي حقيقي آمن بقضيته، بينما هو جنوبي يتنكر لهويته. لذا، لا بد من تحويل الفقيد من "قدوة" إلى "تحذير"، ومن اغتيال رمزيته قبل أن تتحول إلى وصية.

يستدعي بن لزرق "نصيحة سمير" ليضفي عليها هالة من "الحكمة" و"الواقعية". لكن السؤال الذي يتجاهله: من هو سمير اليوسفي؟ سمير خصم أيديولوجي للقضية الجنوبية. عندما يتبنى بن لزرق نصيحته ويرفعها راية، فهو لا يتبنى حكمة إنسانية مجردة، بل يتبنى رؤية الخصم التاريخي. كأنه يقول للجنوبيين: "خصومكم على حق، انسحبوا كما انسحبت، ودعوا أحلامكم كما دعوت". هذه ليست نصيحة، بل خيانة رمزية تتخفى في ثوب الحرص على الذات.

والأكثر دلالة أن أنور إسماعيل نفسه لم يتبن "نصيحة سمير". الراحل ظل في الميدان حتى اللحظات الأخيرة. لم يقل يوماً: "سأنسحب لأن القيادات قد تخونني"، ولم يقل: "سأعتزل لأن الوطن مجرد مول". هو عاش مناضلاً ومات مناضلاً. استخدامه دليلاً على صحة "النصيحة" هو عنف رمزي ضد الرجل وضد ما آمن به، وتحويل جثته إلى سلاح في معركة لا تؤمن بها أصلاً.

بن لزرق، في مقاله، لا يرتكب خطأ مهنياً فقط، بل يمارس تزويراً أخلاقياً متكاملاً. يتجاهل السياق الكامل لشخصياته ليصنع دراما تخدم روايته، ويوظف "نصيحة سمير" كغطاء لموقفه السياسي. والأدهى أنه يستخدم موت رجل جنوبي لتمرير رسالة معادية للمشروع الجنوبي، دون أن يكشف للقارئ موقفه الحقيقي. يقدم نفسه كضحية للنكران، بينما هو يمارس أقسى أنواع الجحود: جحود القضية التي ضحى من أجلها الرجل الذي يبكيه.

تكشف قراءة خطاب بن لزرق عن انهيارات بنيوية. فهو يستخدم حالة فردية ليستنتج حكماً كلياً (بطلان الوطنية)، وهو الخطأ المنطقي الأكثر بدائية: تعميم الخاص. ثم يتجاهل أن هناك بدائل أخرى لقراءة الحدث: كان بإمكانه أن يستنتج أن الخلل في أشخاص بعينهم لا في الفكرة ذاتها، أو أن المعاناة الفردية لا تلغي معنى التضحية الجماعية، أو أن الموت حق والكرامة تبقى لمن ثبت على عهده. لكنه يختار القراءة الأكثر تشاؤماً.

والأخطر أنه يربط بين رحيل أنور وصحة "نصيحة سمير" بشكل سببي وهمي. لا علاقة منطقية بين الحدثين: الراحل مات، والنصيحة تقول "لا تناضل". فحتى لو كان قد أهمل، فهذا لا يعني أن كل من ناضل سيهمل.

لو عاد إلينا أنور إسماعيل اليوم، وقرأ مقال بن لزرق، ربما كان سيقول: "أنا لم أندم على يوم قضيته في خدمة قضيتي"، و"لا تدعوا أمثاله يحولون قبري إلى منصة لليأس". رحل الفقيد، لكنه ترك خلفه إرثاً من الإخلاص لا يمكن لمقال أن يمحوه. هو شهيد على أن النضال ممكن، وأن العطاء ممكن، وأن الموت لا ينهي القضية.

أنور إسماعيل لم يمت عبثاً. هو عاش مناضلاً، ومات محافظاً على كرامته. ومن يريد تكريم روحه حقاً، فليواصل الطريق الذي سار فيه. الوطن ليس "مولاً في الشيخ عثمان"، والنضال ليس "غباءً". أما أنور إسماعيل، فسيظل في ذاكرة الجنوبيين كما عاش: صامداً حتى الرمق الأخير. القضية الجنوبية أبقى من أي انتهازي، مهما تعددت أقنعته. والفقيد نموذج يفضح كل من يتاجر بأصله ليشتري شرعية من خصوم قومه. الرجال يرحلون، لكن القضايا العادلة لا تموت. ومن راهن على أنور إسماعيل راهن على إخلاص نادر في زمن الانهزاميين.

فتحي بن لزرق يبحث عن مبرر لانسحابه تحت قناع "النصيحة". أما أنور إسماعيل فترك لنا وصية من دمه: النضال طريق الكرامة، والموت وفياً خير من حياة بلا قضية. لأن من يعيش بلا قضية، يموت قبل أن يرحل.



الأكثر زيارة


محمد بن زايد يطلب من ترامب تصنيف “إخوان السودان واليمن” تنظي.

الثلاثاء/10/مارس/2026 - 01:01 ص

كشف موقع MTV Lebanon أنّ اتصالاً هاتفياً جرى بين رئيس دولة الإمارات محمد بن زايد آل نهيان ورئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب، تطرّق إلى ملف جماعة الإ


الضالع .. التحدي والبجاش يتأهلان في ختام الدور الأول لمسابقة.

الثلاثاء/10/مارس/2026 - 01:17 ص

اختُتمت منافسات الدور الأول من مسابقة شكع الثقافية الرمضانية الكبرى الثالثة عشر، التي تُقام في مجلس العميد أحمد حُميد، بمواجهة جمعت فرق المجموعة الثال


أين هم الحو.ثيون؟.. الحرس الثوري الإيراني يكشف المهمة الموكل.

الثلاثاء/10/مارس/2026 - 12:40 ص

أكد إسماعيل كوثري، القيادي البارز السابق في الحرس الثوري الإيراني وعضو لجنة الأمن القومي في البرلمان، في تصريحات له "دورا خاصا" لأنصار الله في اليمن ض


التميمي : ندعو إلى تصنيف فرع تنظيم الإخوان باليمن منظمة إرها.

الثلاثاء/10/مارس/2026 - 04:55 ص

الإخوان المسلمون تنظيم دولي عابر لحدود الدول الوطنية . وانطلاقا من ذلك فإن مايتصل به ، أو بفروعه في أي دولة كانت ، ليس شأن داخلي يخص هذه الدولة أو تلك