عن أمسيات رئيس الحكومة.. ودون تقليل أو تفخيم
الأحد - 22 مارس 2026 - 09:55 م
صوت العاصمة/ كتب/ جمال حيدره
فيما يبدو لي كعملية بحثية يعمل دولة رئيس الوزراء وزير الخارجية الدكتور شائع محسن الزنداني على استكشاف العقول الخصبة المناسبة لزراعة أفكار الدولة بمرتكزاتها الإدارية والقانونية والاقتصادية وحتى السياسية .. كما لو أنه يعيد تشكل الوعي السياسي بخبرة تزيد عن أربعين عاما تدرج خلالها في مناصب رفيعة، وعاصر أنظمة وحكومات ودول، وعاش في عمق الصراعات التي شهدتها البلاد منذ الأستقلال.
ولعلّ أهم ما يمكن الإشارة إليه كسمات شخصية للرجل، أنه يجمع بين الهدوء في معالجة القضايا المعقدة، وبين الصرامة في اتخاذ القرارات الكبير والحاسمة، واقعي في نظرته للمشهد المحلي، وخبير في قراءة الأبعاد الخارجية شديدة التعقيد، وهذا يقوم بطبيعة الحال على تجربة طويلة وثرية، وأساس علمي متوج بشهادات عليا في القانون والفلسفة والدبلوماسية.
خلال ثلاثين يوما ظللت أراقب أمسيات رئيس الحكومة من خلال نوافذ الأخبار الرسمية وعبر صفحة الحكومة نفسها لعلي المس خيطاً رفيعا لهدف، أتفحص الصياغات بحثا عن توجه أو حتى رسالة، يمكن أن تظهر من خلال حرص الرجل على قضاء كل ليالي شهر رمضان المبارك مع نخب من مختلف المجالات، وقفزت إلى ذهني كثير من الأسئلة من نوعية: هل كان الرجل يستعرض أو حتى يسارع الخطى في بناء أرشيف إعلامي من الأخبار والصور، ولماذا يرهق نفسه بتدوين كل الأسئلة والملاحظات التي تفضل بها المشاركون سواء كانت قيمة أو متواضعة؟
كنتُ ضمن عشرات الصحفيين الذين التقوا بدولة الرئيس في الأيام الأولى من شهر رمضان، وبدا لي كما لو أنه ينبه معشر الصحفيين والكتاب إلى المأزق الذي نواجهه جميعا، والمتمثل في الاندفاع نحو إصدار الأحكام المسبقة دون أدنى اهتمام بالحقيقة أو ما يفيد القارئ في فهم متطلبات المرحلة، وبما يساعده على تقييم الأحداث وتفسيرها في سياقات عقلانية شديدة القطيعة مع الشعارات والوعود، وبما يمكن أن يساهم في بلورة وعي مجتمعي أو حتى يفتح عين الحكومة نحو مداخل وأفكار تقودها إلى حلول ومعالجات لجملة من القضايا والهموم.
وكأن دولة الرئيس يعيد تعريف العلاقة بين المسؤول والنخب، يحاول أن يفهم العلاقة بين تلك الشرائح من خلال الأولويات المشتركة ومستوى التنافر وسبل المعالجة، مثلا أنا منحَ مداخلتي المتواضعة ربع صفحة، وكأنه يوزن وعي كل فرد من خلال كلماته، ومنطلقه، وقيمة السؤال نفسه إعلاميا ووطنيا.
بعد ثلاثين يوما من تقييم تلك الأمسيات، أستطيع أن أقول دون تقليل أو تفخيم، إن رئيس الحكومة يبذل جهودا كبيرة في بحث فرص بناء مداميك دولة المؤسسات خارج الشعارات والوعود، فضلا عن إدراكه العميق أن المرحلة لم تعد تحتمل مزيدا من المغامرات السياسية، وبإن الناس مثقلة بهموم وأوجاع وخيبات وتبعات القفز في الفراغ، واراه جديرا بترميم كل ذلك بهدوء السياسة وصرامة القانون، ومرونة الدبلوماسية.
إنما نجاح تلك المهمة الصعبة مرهونا بوعي المجتمع أولا، ونضج النخب، وقدرتها على لعب دور محوري على مسار رفع الوعي ثانيا، وجهوزية الوزراء والمسؤولين بخطط واستراتيجيات تعالج كل المشاكل والاختلالات السابقة ثالثا، واستمرار دعم الأشقاء في المملكة للجانب الاقتصادية والتنموي والخدمي رابعا.