الجنوب و السيناريوهات المتشابهة
الأربعاء - 25 مارس 2026 - 07:59 م
صوت العاصمة/خاص:
كتب : عوض احمد الحني
في قراءة سياسية لما يجري اليوم في الجنوب العربي، تبرز أمامنا ملامح سيناريو يعيد نفسه بشكل لافت، يعكس تشابهًا عميقًا بين ما حدث في عام 1994م وما يُراد فرضه اليوم على الأرض.
في عام 1994م، لم يكن الأمر مجرد حرب عسكرية تقليدية، بل كان مشروعًا متكاملًا للاحتلال ولإسقاط كيان سياسي قائم، عبر استخدام القوة، وخلق مبررات إعلامية وسياسية، ثم فرض واقع جديد بالقوة. تم حينها استهداف مؤسسات الجنوب، تفكيك بنيته العسكرية، وإحلال سلطة بديلة تحت غطاء "الوحدة"، بينما في الحقيقة كان ذلك احتلالًا مكتمل الأركان.
اليوم، وبصورة لا تقل وضوحًا، تتكرر ذات الأدوات وإن اختلفت التفاصيل. استهداف القوات الجنوبية، إضعافها أو ضربها بشكل مباشر أو غير مباشر، يأتي ضمن سياق إعادة تشكيل موازين القوة. وما يثير القلق هو الحديث المتزايد عن فرض سلطة أمر واقع، تتجاوز الإرادة الشعبية الجنوبية، وتسعى لإعادة إنتاج مشهد الهيمنة ولكن بثوب جديد.
التشابه لا يقف عند الجانب العسكري فقط، بل يمتد إلى المسار السياسي والإعلامي:
في 1994م تم شيطنة القيادات الجنوبية لتبرير الحرب.
واليوم يتم استهداف المجلس الانتقالي الجنوبي سياسيًا وإعلاميًا، ومحاولة تقويض شرعيته الشعبية.
كما أن سيناريو إغلاق المقرات وإقصاء الكيانات السياسية الجنوبية يعكس توجهًا نحو "الإحلال غير القانوني"، وهو أسلوب مألوف في تجارب فرض السيطرة، حيث يتم إزاحة طرف واستبداله بآخر أكثر توافقًا مع أجندات خارجية.
لكن الفارق الجوهري اليوم يكمن في الوعي الشعبي الجنوبي. فالمجتمع لم يعد كما كان في 1994م، بل أصبح أكثر إدراكًا لطبيعة الصراع، وأكثر تمسكًا بحقوقه السياسية وهويته. كما أن التوازنات الإقليمية والدولية تغيرت، مما يجعل أي محاولة لفرض واقع بالقوة محفوفة بتعقيدات كبيرة.
إن قراءة هذه المؤشرات لا تعني الجزم بوقوع السيناريو، لكنها تحذير من مسار قد يقود إلى تكرار أخطاء الماضي. والتاريخ، كما نعلم، لا يكرر نفسه حرفيًا، لكنه يعيد إنتاج أنماطه لمن لا يتعلم من دروسه.
ختامًا، يبقى الخيار الحقيقي بيد أبناء الجنوب، في مدى قدرتهم على توحيد الصف، وقراءة المشهد بواقعية، والتعامل مع المتغيرات بحكمة، بما يحفظ قضيتهم ويمنع تكرار سيناريوهات الإقصاء والفرض بالقوة.