عن محمود الصبيحي مرة اخرى .... ما لم نقله بالأمس .. حقيقة الفرق بين الشريك والموظف.
الأحد - 29 مارس 2026 - 12:46 ص
صوت العاصمة/ بقلم / حافظ الشجيفي
ليلة أخرى نقضيها في محراب الحقيقة، ننبش في ركام الكلمات عما تخفيه النوايا، ونستكمل ما بدأناه عن محمود الصبيحي،حول تلك القصة التي يبدو أنها لن تنتهي فصولها ما دام في الوقت متسع للمراوغة وفي السياسة مساحة للعب على الحبال. حيث توقفنا بالأمس عند مشهد العلم اليمني الذي وجه محمود الصبيحي برفعه في ديوان محافظة لحج ، واليوم نغوص في فلسفة التبرير التي ساقها الرجل بعد ذلك مباشرة، وهي فلسفة تثير من الضحك ما يثيره البكاء، وتستدعي من السخرية ما يدمي القلب.
فالصبيحي يقول، وهو يوزع نظراته بين الحضور، إننا حين نحقق استقلال الجنوب وتصبح لنا دولة مستقرة، سيكون من حقنا حينها فقط أن نرفع أعلامنا وان نفعل ما نشاء.. فيا للهول! أي منطق هذا الذي يضع العربة أمام الحصان ثم يطلب من الحصان أن يطير. وكيف سيتحقق الاستقلال يا رجل وأنت تكسر السارية التي يفترض أن يحلق فوقها العلم... وكيف سوف نستعيد دولتنا ونحن نجدف في بحر التبعية، ونرفع شراع الاحتلال على مركبنا المهترئ.... أخبرنا يا محمود، بأي معجزة ستتحرر الأرض وأنت موظف مطيع في بلاط السلطة التي لا تعترف بهويتك الجنوبية اصلا.. وكيف يستقيم الظل والعود أعوج، وكيف يستقيم الاستقلال وأنت تمثل "الوحدة" في شرعية لا ترى في الجنوب إلا حديقة خلفية أو غنيمة حرب...
والتاريخ، الذي يبدو أن البعض يقرأه بالمقلوب، يعلمنا أن الشعوب لا تسترد أوطانها بالاستئذان من محتليها، ولا ترفع أعلامها بعد فوات الأوان. فالثورات تبدأ بقطعة قماش ملونة تتحدى الريح، تسبق الرصاصة وتمهد للدولة. والعلم هو الإعلان، وهو الهوية، وهو الصرخة الأولى للمولود قبل أن يعترف به العالم. أما أن ننكس علمنا اليوم بانتظار استقلال مجهول يأتينا على طبق من ذهب غدا ممن نصلي خلفهم ونأتمر بأمرهم، فهذه نكتة سياسية ثقيلة الظل لا يقبلها عقل طفل، فما بالك بشعب قدم قوافل الشهداء.. فهل يتحقق الاستقلال بالانحياز لخصوم الإرادة الشعبية. وهل سنصل للحرية عبر مكاتب "رشاد العليمي" وبأختام موثقة من قوى الهيمنة...
ثم تخرج علينا بعد ذلك جوقة المبررين، أولئك الذين يحترفون خلط الأوراق وتزييف الحقائق، ليقولوا لنا: "وماذا عن عيدروس الزبيدي... ألم يرفع العلم اليمني في مكتبه حين كان شريكا في الحكومة".... وهنا لابد أن نضع النقاط على الحروف بمداد من صدق لا يعرف المواربة. فشتان بين الثرى والثريا، وبين من يقتحم الحصن ليفرض شروطه، ومن يدخله ليكون مجرد رقم في معادلة غيره. فعيدروس الزبيدي لم يعينه العليمي بقرار "كمنحة" أو "ترضية"، بل فرض نفسه فرضا، محمولا على أكتاف الجماهير وبقوة الأمر الواقع وإرادة شعب لا يلين. ودخل السلطة بموجب اتفاق اقليمي لنقل السلطة، بصفته ممثلا للقضية الجنوبية، لا موظفا يرجو الرضا. فكان يرفع العلم اليمني من باب الالتزام البروتوكوليـ باتفاق سياسي، لكنه لم ينزل العلم الجنوبي من قلبه ولا من دهاليز مكتبه، بل ظل العلم الجنوبي يرفرف وحده في كثير من الأحيان، شاهدا على أن الرجل شريك في القرار لا تابع في المسار.
أما أنت يا محمود، فبأي صفة تقبل أن تكون البديل غير القانوني له.. وكيف ترضى أن تحل محل من فوضه الشعب في مجلس القيادة الرئاسي بقرار يخالف روح اتفاق نقل السلطة ومضامينه واسبابه... فأنت هنا لا تمثل الجنوب، بل تمثل من عينك. والفرق جوهري بين من يستمد شرعيته من الساحات، وبين من يستمدها من قلم "يمثل الاحتلال". فقبولك بهذا الدور، وفي هذا التوقيت، وبهذه الطريقة، يضعك في خانة الموظف الذي ينفذ الأجندة، لا القائد الذي يصنع التاريخ.
والحقيقة المرة التي يجب أن نواجهها هي أن الانتماء للجغرافيا لا يصنع وطنيـا. فقد تولد في حضن الجنوب، ومن أب وأم جنوبيين، لكنك تظل غريبـا عن الأرض ما دام ولاؤك لغيرها. فالهوية ليست شهادة ميلاد تستخرج من السجل المدني، بل هي موقف، ومبدأ، وتضحية. فما فائدة أن تسكن في الجنوب وقلبك يسكن في دواوين الطاعة لأعداء القضية.. والعميل، يا سادة، ينتمي للأرض بمسقط رأسه، لكنه ينتمي للعدو بمسقط عقله وضميره.
والوطنية لا تقاس بالمسافات والكيلومترات، ولا بلهجة اللسان، بل تقاس بصلابة الموقف عند المنعطفات. فهناك جنوبي يرفع رأسه بالعلم فيصنع وطنا، وهناك جنوبي يرفع العلم الاحتلالي ليكسب منصبا. والفرق بين الاثنين هو الفرق بين من يبني وطنا للأجيال، ومن يبني لنفسه قصرا من رمال على حساب دماء الشهداء وآمال المشردين. فالاستقلال يا محمود لا يأتي بالاستسلام، والسيادة لا تمنح للمنكسين أعلامهم، بل تنتزع بجباه لا تعرف الانحناء، وبأيد ترفض أن ترفع إلا راية الكرامة، ولو كره الكارهون.