تقرير : تصريحات العقيلي تشعل الجدل وتعيد ملف التمييز ضد أبناء الجنوب إلى الواجهة ..
الجمعة - 03 أبريل 2026 - 12:24 ص
صوت العاصمة/ تقرير / غازي العلوي :
هل تقود هذه التصريحات إلى تفجير أزمة داخلية جديدة ؟
كيف تحولت القوات التي حررت الساحل إلى خارج حسابات القرار العسكري ؟
من المستفيد من إعادة إنتاج سياسات الإقصاء داخل المؤسسة العسكرية ؟
هل أصبح الدفاع عن الأرض تهمة في زمن القرارات المرتبكة ؟
كيف يمكن تجاهل وثائق تثبت وجود أبناء حضرموت داخل اللواء ؟
العقيلي يُدشن سيناريو 94م
أعادت التصريحات الأخيرة لوزير الدفاع اليمني طاهر العقيلي فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في المشهد اليمني، والمتعلق بطبيعة التوازن داخل المؤسستين العسكرية والأمنية، ومدى التزامهما بمبدأ الشراكة الوطنية بعيداً عن الإقصاء والتمييز الجغرافي. فقد فجّرت هذه التصريحات موجة واسعة من الجدل السياسي والإعلامي، لا سيما في الأوساط الجنوبية، حيث اعتُبرت امتداداً لنهج قديم يعود إلى ما بعد حرب 1994، حين تعرضت الكوادر الجنوبية لعمليات إقصاء ممنهجة من مفاصل الدولة.
تصريحات تعيد إنتاج أزمة الثقة
جاءت تصريحات العقيلي بشأن هوية منتسبي لواء بارشيد لتثير تساؤلات جوهرية حول المعايير التي تعتمدها وزارة الدفاع في توصيف وتمثيل القوى العسكرية. إذ رأى مراقبون أن نفي وجود عناصر من أبناء حضرموت داخل اللواء يتناقض مع معطيات ميدانية ووثائق رسمية، ويعكس خللاً عميقاً في قراءة الواقع أو محاولة لإعادة تشكيله سياسياً.
هذا الطرح لم يُفهم باعتباره مجرد خطأ معلوماتي، بل تم تفسيره في سياق أوسع يتعلق بإعادة هندسة النفوذ العسكري في المحافظات الجنوبية، وتحديداً في حضرموت، بما يخدم توازنات سياسية بعينها.
ازدواجية المعايير في الخطاب العسكري
أبرز ما فجّر الجدل هو ما اعتبره سياسيون “ازدواجية واضحة” في التعامل مع الهوية المناطقية داخل المؤسسة العسكرية. ففي الوقت الذي يتم فيه تصوير بعض التشكيلات العسكرية القادمة من خارج حضرموت على أنها تمثل أبناء المحافظة، يتم التشكيك في هوية قوات جنوبية شاركت فعلياً في تحرير الأرض ومكافحة الإرهاب.
ويرى محللون أن هذا التناقض يطرح تساؤلات حول حقيقة شعار “تمكين أبناء حضرموت”، وهل هو مبدأ ثابت أم أداة انتقائية تُستخدم وفقاً لمتطلبات الصراع السياسي.
قراءة سياسية: صراع مسارات ونفوذ
المحلل السياسي ياسر اليافعي اعتبر أن تصريحات وزير الدفاع تعكس توجهاً سياسياً مرتبطاً بما يُعرف بـ”المسار السعودي”، مشيراً إلى أن إعادة تقديم بعض القوات كقوات “حضرمية” رغم سجلها السابق في المنطقة يثير الشكوك حول أهداف هذا التوجه.
وبحسب هذه القراءة، فإن القضية تتجاوز مجرد توصيف إداري للقوات، لتصل إلى إعادة توزيع النفوذ داخل حضرموت، وهي المحافظة التي تمثل ثقلاً استراتيجياً واقتصادياً في اليمن.
بين التضحيات والتهميش
في مقابل هذا الجدل، برزت أصوات جنوبية تؤكد أن القوات التي ساهمت في تحرير ساحل حضرموت من تنظيم القاعدة بين عامي 2015 و2016، وتصدت للتهديدات الأمنية، تجد نفسها اليوم أمام سياسات تهميش وإقصاء، وصلت – بحسب هذه الأصوات – إلى حد قطع الرواتب أو التسريح.
ويرى مراقبون أن هذا التحول من “قوات مُحرِّرة” إلى “قوات مُستبعدة” يعكس خللاً في منظومة التقدير المؤسسي، ويهدد بإضعاف الروح المعنوية داخل الوحدات العسكرية.
تساؤلات حول تمكين أبناء حضرموت
السياسي منصور صالح طرح جملة من التساؤلات حول مدى تمثيل أبناء حضرموت في التشكيلات العسكرية المختلفة، مشيراً إلى أن مبدأ “تسليم حضرموت لأبنائها” لا يُطرح إلا في سياقات محددة، غالباً ما تستهدف القوات الجنوبية، بينما يتم تجاهله في تشكيلات أخرى.
هذا الطرح يعزز فرضية أن الشعار يُستخدم كأداة سياسية، وليس كمبدأ وطني شامل، وهو ما يزيد من حدة الانقسام ويقوّض الثقة بين المكونات المختلفة.
تصاعد الخطاب الانتقادي
الناشط السياسي وضاح بن عطية وجّه انتقادات حادة لوزير الدفاع، مشيراً إلى التناقض بين الواقع الميداني في الشمال، حيث لا تزال بعض المحافظات تحت سيطرة الحوثيين، وبين الخطاب الذي يستهدف القوات الجنوبية.
كما اعتبر أن التقليل من دور هذه القوات يتجاهل تضحياتها في مواجهة الإرهاب، ويعكس خللاً في أولويات المؤسسة العسكرية.
مسؤولية القيادات الجنوبية
من جهته، وجّه الناشط عيدروس المدوري رسالة مباشرة إلى القيادات الجنوبية داخل الشرعية، داعياً إياهم إلى تحمل مسؤولياتهم التاريخية في مواجهة ما وصفه بخطاب الإقصاء.
وأكد أن الصمت تجاه هذه التصريحات قد يُفهم كقبول ضمني بإعادة إنتاج سياسات ما بعد 1994، وهو ما يرفضه الشارع الجنوبي بشكل قاطع.
اتهامات بوجود قرار سياسي ممنهج
الصحفي عادل حمران ذهب أبعد من ذلك، معتبراً أن ما يجري ليس مجرد اجتهاد فردي، بل يعكس قراراً سياسياً يستهدف إبعاد أبناء الجنوب من المؤسسة العسكرية، رغم الحديث الرسمي عن الشمولية.
هذا الاتهام يعزز المخاوف من وجود توجه لإعادة تشكيل المؤسسة العسكرية على أسس غير وطنية، وهو ما قد يهدد وحدة هذه المؤسسة على المدى الطويل.
“الأمناء” تفند مزاعم وزير الدفاع العقيلي وتكشف المستور ..
في خضم هذا الجدل، نشرت صحيفة “الأمناء” وثائق رسمية تثبت وجود جنود من أبناء حضرموت ضمن لواء بارشيد، في تناقض مباشر مع تصريحات وزير الدفاع. هذه الوثائق أعادت توجيه النقاش نحو مصداقية التصريحات الرسمية، وأهمية الاستناد إلى بيانات دقيقة في القضايا الحساسة.
ويرى مراقبون أن هذه الخطوة تمثل اختباراً حقيقياً لمدى شفافية المؤسسات الرسمية، وقدرتها على تصحيح أخطائها أو توضيح مواقفها.
مخاوف من تداعيات أمنية
لا تقتصر تداعيات هذه الأزمة على الجانب السياسي، بل تمتد إلى البعد الأمني، حيث يحذر مراقبون من أن إضعاف القوات التي لعبت دوراً محورياً في مكافحة الإرهاب قد يفتح المجال أمام عودة الجماعات المتطرفة، خصوصاً في مناطق مثل حضرموت التي شهدت سابقاً نشاطاً لتنظيم القاعدة.
خلاصة المشهد
تكشف أزمة تصريحات وزير الدفاع عن عمق الإشكاليات التي تعاني منها المؤسسة العسكرية اليمنية، وفي مقدمتها غياب المعايير الموحدة، وتغليب الحسابات السياسية على المهنية. كما تعكس استمرار أزمة الثقة بين الشمال والجنوب، والتي لم تُحل منذ عقود.
وفي ظل غياب معالجات جادة، يخشى أن تتحول هذه الأزمة إلى محطة جديدة في مسار الانقسام، بدلاً من أن تكون فرصة لإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس وطنية عادلة تضمن الشراكة الحقيقية لجميع اليمنيين