منذ سيطرتها على العاصمة صنعاء عام 2014، كثّفت جماعة الحوثي حضورها داخل قطاع التعليم، بوصفه أحد أبرز أدوات التأثير في تشكيل الوعي المجتمعي. ولم تقتصر تدخلاتها على تعديلات محدودة، بل شملت تغييرات واسعة في المناهج الدراسية، وأسماء المدارس، إلى جانب إنشاء منظومة تعليمية موازية ذات طابع عقائدي.
وفي هذا الإطار، برز مشروع “مدارس شهيد القرآن” كنموذج تعليمي بديل، تسعى من خلاله الجماعة إلى تحويل المؤسسات التعليمية من فضاءات للتعلم إلى منصات للتعبئة الفكرية وإعادة تشكيل قناعات الطلاب.
من التعليم إلى التعبئة
بالتوازي مع تراجع دور المدارس الحكومية نتيجة الإهمال والضغوط، اتجهت الجماعة إلى إنشاء مدارس داخلية تعتمد نظام الإقامة الكاملة، حيث يعيش الطلاب في بيئة مغلقة توفر لهم السكن والإعاشة، مقابل الانخراط في برامج تعليمية وعقائدية مكثفة.
كما شمل التوسع الاستحواذ على عدد من المدارس الحكومية وتغيير هويتها، إلى جانب إعادة تسمية العديد منها بأسماء مرتبطة بقيادات ورموز الجماعة، في خطوة اعتبرها تربويون محاولة لإحلال هوية تعليمية بديلة.
ولم يقتصر هذا التوجه على المدارس فحسب، بل امتد إلى المساجد والمراكز الدينية التي جرى توظيفها ضمن المشروع ذاته، ما أسهم في انتشار هذه المدارس خلال فترة زمنية وجيزة.
انتشار متسارع وأرقام لافتة
خلال فترة قصيرة، تحوّل المشروع من تجربة محدودة إلى شبكة واسعة منتشرة في عدد من المحافظات. وفي مارس 2024، أعلنت الجماعة تخريج نحو ثلاثة آلاف طالب، في مؤشر على وتيرة التوسع المتسارعة منذ انطلاق المشروع فعلياً عام 2022.
وتشير المعطيات إلى اعتماد هذه المدارس نموذجاً تعليمياً يركّز على بناء جيل يحمل رؤية فكرية متسقة مع توجهات الجماعة.
هياكل غير واضحة وإدارة غامضة
ورغم هذا التوسع، لا تزال البنية الإدارية لهذه المدارس غير واضحة، في ظل غياب معلومات رسمية دقيقة حول الجهات المشرفة وآليات التأسيس. وتبرز مؤشرات على ارتباطها بجهات تعليمية ودينية تابعة للجماعة، إلى جانب دور جهاز “التعبئة العامة” في دعم أنشطتها عبر برامج فكرية وموازية.
غياب الرقابة ومصادر تمويل غير شفافة
تفيد شهادات تربويين بأن هذه المدارس تعمل خارج نطاق الرقابة التعليمية الرسمية، ولا تخضع لإشراف مؤسسي واضح، كما أن مناهجها غير معلنة، ما يثير تساؤلات بشأن طبيعة المحتوى المقدم للطلاب.
أما التمويل، فيُعتقد أنه يعتمد على مصادر متعددة، تشمل موارد الجماعة، وصندوق الزكاة، ومساهمات مفروضة، في ظل غياب الشفافية.
استقطاب قائم على الامتيازات والانضباط الصارم
تعتمد هذه المدارس على حوافز لجذب الطلاب، أبرزها توفير السكن والإعاشة المجانية، إلى جانب برامج تعليمية مكثفة ضمن نظام داخلي صارم.
ويخضع القبول لمعايير دقيقة تشمل اختبارات ومقابلات لا تقتصر على الجانب الأكاديمي، بل تمتد لتقييم مستوى الالتزام الفكري والاستعداد للانخراط الكامل في البرنامج.
ويمتد اليوم الدراسي من ساعات الفجر حتى المساء، متضمناً مزيجاً من التعليم الأكاديمي والبرامج العقائدية في بيئة شبه معزولة عن الأسر.
أنشطة موازية وتعزيز الولاء
لا تقتصر العملية التعليمية على الحصص الدراسية، بل تشمل أنشطة غير صفية تهدف إلى تعزيز الارتباط الفكري، مثل الفعاليات الدينية، والزيارات الميدانية، والبرامج الإعلامية والتدريبية. كما تتضمن بعض الأنشطة تدريبات ذات طابع عسكري أو تمثيلي، في إطار ترسيخ تصورات محددة لدى الطلاب.
تحديات وانعكاسات مستقبلية
في المقابل، تشير بعض الشهادات إلى انسحاب عدد من الطلاب نتيجة الضغوط النفسية وطبيعة البرامج المكثفة، وسط مخاوف من انعكاس ذلك على مستقبلهم التعليمي.
ويحذر مختصون من أن انتشار هذا النموذج يعزز ازدواجية النظام التعليمي بين التعليم الرسمي والموازي، ما قد يؤثر سلباً على فرص الطلاب مستقبلاً.
في المجمل، يشهد قطاع التعليم في مناطق سيطرة الجماعة تحولات عميقة تتجاوز الإطار التعليمي إلى أبعاد فكرية واجتماعية، قد تترك آثاراً طويلة المدى على المجتمع ومستقبل الأجيال.