الذكرى الحادية عشرة.. علي ناصر هادي سيرة قائد وملحمة وطن
الثلاثاء - 05 مايو 2026 - 01:43 ص
صوت العاصمة/ بقلم/ العميد طارق علي ناصر هادي
تمرّ علينا اليوم الذكرى الحادية عشرة لاستشهاد الوالد القائد والمعلم، اللواء الركن علي ناصر هادي، الذي لم يكن مجرد قائد عسكري، بل كان روح المقاومة في عدن، والقلب النابض الذي لم يتوقف عن حب ترابها حتى لفظ أنفاسه الأخيرة وهو يدافع عن كرامتها.
عندما أطبقت جحافل الانقلاب على عدن في تلك الأيام العصيبة من عام 2015، لم يكن الوالد ممن يبحثون عن مخرج آمن، فلازلت أتذكر جيدًا تلك اللحظات حين كانت النيران تلتهم الأفق، وكان هو يقف كالجبل، يزرع الأمل في نفوس الشباب بكلماته وتواضعه المعهود، حينها كانت الحرب فرضًا علينا، وكان هو يدرك أن عدن ليست مجرد مدينة، بل هي الكرامة الوطنية والشرعية التي لا تقبل المساومة.
شرفني القدر أن أكون إلى جانبه في تلك الملحمة؛ لم أكن ابنه فحسب، بل كنت جنديًا في مدرسة علي ناصر هادي، فرأيت فيه القائد الذي ينام على الأرض مع المقاتلين، ويقتسم معهم الرغيف والشدة.
كان يهمس لي دومًا بأن الوطن أغلى من الروح، وبأن التاريخ لا يرحم المتخاذلين. تلك المشاركة بجانبه لم تكن واجبًا عائليًا، بل كانت فداءً في سبيل تراب الوطن.
لا يمكن ذكر استشهاد الوالد دون الانحناء إجلالًا لأولئك الشباب الحفاة، أبطال المقاومة الذين هبّوا من كل حارة وزقاق في عدن. لقد كان الوالد يرى فيهم جيشًا بغير بزات عسكرية، وكانوا يرون فيه الأب والقدوة. امتزجت دماء القادة بدماء الشباب، فتشكلت ملحمة الصمود التي هزمت المشروع الكهنوتي على أسوار المدينة.
في خضم تلك الفوضى، وقف فخامة الرئيس عبد ربه منصور هادي ثابتًا في وجه العاصفة، متمسكًا بالشرعية الدستورية رغم كل التحديات والضغوط. ولن ينسى التاريخ أن هذا الصمود ترافق مع قرار شجاع وتاريخي من المملكة العربية السعودية الشقيقة، التي لبّت النداء عبر عاصفة الحزم.
إن تدخل المملكة بقيادتها الحكيمة لم يكن مجرد دعم عسكري، بل كان طوق نجاة عروبيًا استعاد به اليمنيون ثقتهم بأنهم ليسوا وحدهم في مواجهة المد الإيراني، لقد كانت الطائرات التي تجوب سماءنا، والإمدادات التي تصل لجبهاتنا، هي الوقود الذي استمدت منه المقاومة قوتها للاستمرار حتى النصر.
رحل اللواء الركن علي ناصر هادي في ميادين الشرف، مقبلًا غير مدبر، تاركًا لنا إرثًا من الإباء لا يمحوه الزمن ودرسًا باقي معنا طول العمر.
إننا اليوم، ونحن نحيي هذه الذكرى، نجدد العهد بأن تظل المبادئ التي استشهد من أجلها هي البوصلة التي توجهنا.
نم قرير العين يا والدي، فعدن التي أحببت تحررت، والراية التي رفعتها لا تزال تخفق، والكرامة التي استشهدت لأجلها هي اليوم تاج على رؤوس كل الشرفاء.
الرحمة لشهدائنا، والشفاء لجرحانا،
والحرية لأسرانا، عاش الوطن حرًا أبيًا.