المكلا تصنع المرحلة السياسية.. تفويض متجدد ورسائل قوية في الذكرى التاسعة لإعلان عدن التاريخي
الأربعاء - 06 مايو 2026 - 12:59 ص
صوت العاصمة/ تقرير/ مريم بارحمة
تُعيدُ مدينةُ المكلا تشكيلَ المشهدِ الجنوبي في لحظةٍ سياسيةٍ مشبعةٍ بالتعقيد والتشابك، متجاوزةً موقعَها كساحةٍ جماهيريةٍ إلى منصةٍ فاعلة لإعادة صياغة الخطاب السياسي، وتجديد أدوات الشرعية، وإعادة ترتيب العلاقة بين الشارع والقيادة. فقد تحوّلت مليونية الذكرى التاسعة لإعلان عدن التاريخي إلى حدثٍ يتخطى البعد الاحتفالي، ليرتقي إلى محطةٍ سياسيةٍ مفصلية تعيد طرح الأسئلة الكبرى حول التمثيل والشرعية والمستقبل.
البيان السياسي الصادر عن الفعالية جاء كثيفًا في لغته، ومحمّلًا بدلالات تتجاوز حدود اللحظة، حيث لم يكتفِ باستعادة الذاكرة السياسية المرتبطة بإعلان عدن عام 2017م، بل أعاد تأطيرها ضمن سياق جديد، يربط بين الماضي التأسيسي والحاضر المأزوم، ويطرح المستقبل باعتباره امتدادًا لصراع الإرادات.
ـمن الذاكرة إلى الفعل.. استدعاء إعلان عدن كمرجعية سياسية
يُدرك الخطاب السياسي الجنوبي أهمية الرمزية التاريخية في بناء الشرعية، ولذلك جاء استحضار إعلان عدن ليس بوصفه ذكرى، بل كمرجعية سياسية حية. هذا الإعلان، الذي ارتبط بصعود المجلس الانتقالي الجنوبي، تحوّل في البيان إلى نقطة ارتكاز تُعاد من خلالها قراءة المسار السياسي برمّته.
اللافت أن البيان لم يتعامل مع إعلان عدن كحدث منجز، بل كعملية مستمرة تُستكمل حلقاتها عبر التفويض الشعبي المتجدد. وفي هذا الإطار، يشير بعض المحللين السياسين إلى أن هذا الطرح يمنح الخطاب السياسي بعدًا تراكميًا، حيث تصبح اللحظة الراهنة امتدادًا لمرحلة تأسيسية لم تُستنفد بعد.
ـالتفويض كأداة سياسية.. إعادة تعريف الشرعية
في قلب البيان، يبرز تجديد التفويض للرئيس القائد عيدروس بن قاسم الزبيدي كعنوان رئيسي، لكنه في العمق يحمل دلالات أوسع تتعلق بطبيعة الشرعية ذاتها.
فالتفويض هنا لا يُقدَّم كإجراء رمزي، بل كأداة سياسية لإعادة إنتاج الشرعية في سياق يفتقر إلى الأطر التقليدية المستقرة. هذا التحول يعكس محاولة لتأسيس علاقة مباشرة بين القيادة والقاعدة الشعبية، بعيدًا عن الوسائط المؤسسية التقليدية.
ومع ذلك، يلفت بعض المراقبين إلى أن استدامة هذا النمط من الشرعية تظل مرهونة بقدرته على التحول إلى صيغة مؤسسية واضحة، تُترجم إلى سياسات وبرامج قابلة للتنفيذ، وليس مجرد تعبير عن زخم جماهيري.
ـوحدة الخطاب وتحديات الواقع
من بين أبرز ما شدد عليه البيان، التأكيد على وحدة الجنوب جغرافيًا وسياسيًا وقانونيًا. غير أن هذه الوحدة، التي تبدو متماسكة في الخطاب، تواجه في الواقع تحديات متعددة، تتعلق بتعدد الفاعلين السياسيين، واختلاف الرؤى، وتباين المصالح.
البيان، في هذا السياق، لم يُنكر هذه التباينات، بل أشار إليها ضمنيًا من خلال الدعوة إلى الحوار الجنوبي–الجنوبي، بما يعكس إدراكًا بأن وحدة الصف لا تُفرض، بل تُبنى عبر التوافق.
ويذهب بعض المراقبين إلى أن نجاح هذا المسار سيعتمد على قدرة الأطراف المختلفة على تحويل الحوار من مجرد دعوة سياسية إلى آلية عملية لإدارة الخلافات، خاصة في ظل تشابك العوامل المحلية والإقليمية.
ـالبعد العسكري .. صمّام أمان للاستقرار
أولى البيان اهتمامًا خاصًا بالمؤسسة العسكرية والأمنية الجنوبية، معتبرًا إياها “خطًا أحمر”، في تأكيد يعكس مكانتها المحورية كصمّام أمان لحماية المشروع الوطني وضمان استقراره. فهذه القوات تمثل الركيزة الأساسية في تثبيت الأمن وصون المكتسبات، وتُجسّد عامل قوة يحفظ تماسك الجبهة الداخلية في ظل التحديات المحيطة.
كما أن التأكيد على الحفاظ على جاهزية هذه القوات وتطويرها كمؤسسات وطنية محترفة يعكس توجّهًا نحو ترسيخ دورها كحامية للاستقرار والنظام العام، بعيدًا عن أي اعتبارات ضيقة.
وفي هذا السياق، تبرز الإشارة إلى قوات النخبة الحضرمية ورفض أي محاولات للنيل منها، بوصفها تعبيرًا عن أهمية هذه التشكيلات في تعزيز الأمن داخل حضرموت، وحماية خصوصيتها، بما يعزز من استقرار المحافظة ويكرّس دورها في المنظومة الأمنية الجنوبية الشاملة.
ـالأزمة الخدمية .. اختبار الشرعية الصامت
في موازاة الخطاب السياسي، يطرح البيان قضية الخدمات بوصفها أحد التحديات الكبرى. فالدعوة إلى تحسين الكهرباء والمياه والصحة وصرف الرواتب تكشف عن إدراك متزايد بأن الشرعية لا تُقاس فقط بالحشود، بل بقدرة السلطة على إدارة الحياة اليومية.
الأزمات المعيشية، في هذا السياق، تتحول إلى اختبار حقيقي لأي مشروع سياسي. ويشير بعض المراقبين إلى أن استمرار هذه الأزمات قد يضعف من أثر الزخم الجماهيري، ما لم يقترن بإجراءات عملية تعالج جذور المشكلة.
وهنا تبرز مفارقة واضحة: بين خطاب سياسي قادر على الحشد، وواقع خدمي يفرض تحديات يومية لا يمكن تجاوزها بالشعارات وحدها.
ـالبعد الإقليمي .. تموضع محسوب
البيان لم يكتفِ بالشأن الداخلي، بل وجّه رسائل واضحة إلى الإقليم، خاصة من خلال التأكيد على التضامن مع دول الخليج، وإدانة التهديدات الإيرانية. هذا الخطاب يعكس محاولة لربط قضية الجنوب بسياق إقليمي أوسع، يتقاطع فيه الأمن المحلي مع التوازنات الإقليمية.
كما أن التمسك باتفاقيتي الرياض يشير إلى رغبة في عدم القطيعة مع المسارات السياسية المدعومة دوليًا، بل محاولة الاستفادة منها لتعزيز الحضور السياسي.
ويرى بعض المحللين السياسين أن هذا التوجه يعكس براغماتية سياسية، تحاول الجمع بين الخطاب السيادي ومتطلبات الواقع الإقليمي، وهو توازن دقيق يتطلب إدارة حذرة.
ـالرسائل الموجهة للخارج .. من التمثيل إلى الاعتراف
أحد أهم أبعاد البيان يتمثل في رسائله الموجهة إلى المجتمع الدولي، حيث دعا إلى احترام إرادة شعب الجنوب وعدم تجاوزها في أي تسويات قادمة.
هذه الرسائل تعكس سعيًا للحصول على اعتراف سياسي، أو على الأقل ضمان تمثيل فاعل في أي عملية تفاوضية. غير أن هذا الهدف يواجه تحديات، أبرزها طبيعة النظام الدولي، الذي يميل إلى الحلول التوافقية.
ويشير بعض المراقبين إلى أن تحقيق هذا الهدف يتطلب بناء شبكة علاقات وتحالفات قادرة على نقل القضية من الإطار المحلي إلى مستوى التأثير الدولي.
ـمن الحشد إلى السياسة .. هل يتحول الزخم إلى مشروع؟
المشهد الجماهيري في المكلا، بما حمله من كثافة وحضور، يطرح سؤالًا جوهريًا: هل يمكن تحويل هذا الزخم إلى مكاسب سياسية ملموسة؟
التجارب السياسية تشير إلى أن الحشود تمثل نقطة انطلاق، لكنها ليست كافية بمفردها لتحقيق الأهداف. فبدون ترجمة هذا الزخم إلى سياسات واضحة ومؤسسات فاعلة، قد يبقى التأثير محدودًا.
ـالخطاب السياسي .. بين التعبئة والتأطير
لغة البيان جاءت مزيجًا بين التعبئة العاطفية والتأطير السياسي. فمن جهة، استحضرت التضحيات والصمود، ومن جهة أخرى، قدّمت رؤية تتضمن محددات واضحة.
هذا التوازن يعكس محاولة لصياغة خطاب قادر على مخاطبة الجمهور العام، وفي الوقت ذاته تقديم رسائل للنخب السياسية، وهو ما يمنح البيان طابعًا مزدوجًا بين التعبئة والتنظيم.
ـلحظة مفصلية في مسار مفتوح
إن بيان المكلا لا يُمثل مجرد وثيقة سياسية عابرة، بل يعكس مرحلة جديدة في تطور الحراك الجنوبي، تتسم بمحاولة إعادة بناء الشرعية، وتثبيت التمثيل، وإعادة صياغة العلاقة بين الداخل والخارج.
غير أن هذه المرحلة، بكل ما تحمله من طموحات، تظل مفتوحة على احتمالات متعددة، يتحدد مسارها بناءً على قدرة الفاعلين السياسيين على إدارة التحديات، وتحويل الشعارات إلى سياسات، والزخم الشعبي إلى مشروع مستدام.
اليوم تبدو المكلا أكثر من مجرد مدينة؛ إنها مساحة سياسية تختزل تعقيدات المرحلة، وتعكس في الوقت ذاته إرادة مستمرة لإعادة تعريف المستقبل