القوات التي حاصرت صورة بعد أن عجزت عن حصار الإرادة
الأربعاء - 06 مايو 2026 - 01:00 ص
صوت العاصمة/ بقلم / حافظ الشجيفي
تأبى صغائر النفوس إلا أن تفضح ذاتها حين تتوهم أن الحقائق الكبرى يمكن أن توارى خلف ادخنة الحماقة، ففي ليلة سكنت فيها الجوارح وهدأ ضجيج النهار، استيقظت خفافيش التدبير لتشن غارة شعواء على جماد لا ينطق، وكأن الرعب الذي استقر في أحشائها من زئير الجماهير نهارا لم يجد متنفسا إلا في الصراع مع الأقمشة والصور ليلا، فخرجت تلك القوات المدججة بالحديد والنار، تجر خلفها أذيال الخيبة وهي تقتحم ساحة العروض بخور مكسر، لا لتصد عدوا متربصا على الثغور، ولا لتستعيد حقا مغتصبا في صنعاء المصادرة، بل لتمارس بطولات وهمية على منصة خالية، فتنتزع صور القائد عيدروس الزبيدي في مشهد يجمع بين السخرية المرة والواقعية الفجة التي تضعنا أمام مرآة النفس البشرية حين تضيق بالحق وتختنق بالولاء.
فعجبا لهذه القوة العسكرية التي تحركت بعد منتصف الليل، بأطقمها ومدرعاتها وعتادها الذي يكفي لفتح المدن الحصينة وتحطيم القلاع، كيف استصغرت قدر نفسها وهي تتوجه لمحاصرة ساحة لم يبقى فيها إلا صدى الهتافات وبقايا الأعلام، فبدت كمن يصارع طيفا أو يطارد سرابا، وما كانت تلك الصور المعلقة على سواري المنصة إلا رمزا لعقد وثيق أبرمه الشعب في وضح النهار، حين تدفقت السيول البشرية من كل حدب وصوب في الجنوب لتجدد البيعة وتؤكد التفويض للقائد عيدروس الزبيدي، في مشهد مهيب قلما يجود به الزمان، لكن القوم الذين أزعجهم ذلك الحج الوطني العظيم، لم يطيقوا صبرا على بقاء الرمز شاخصا أمام أعينهم، فخيل إليهم أن اقتلاع الصورة من مكانها هو اقتلاع للمكانة من القلوب، وما دروا أنهم بهذا التصرف الأخرق إنما يثبتون الصورة في وجدان الشعب بمسامير من نور ونار.
والواقع أن هؤلاء الذين لم يستطيعوا النوم والصورة معلقة في الساحة، إنما كانوا يصارعون كابوسا يقض مضاجعهم ويزعج سكينتهم، فاستبد بهم القلق حتى أبوا أن تشرق الشمس إلا وقد محوا أثر الرمز من الساحة، وظنوا بجهلهم المطبق أن إخفاء الورق والملصقات سيخمد شعلة الإرادة أو يكسر عزيمة شعب آمن بحقه في الاستقلال، وهذا لعمري هو عين الحمق الذي يتكرر في قصص الغارات القبلية القديمة وأساطير الأولين، حيث يظن المنهزم نفسيا أن النيل من معالم الخصم يمنحه صك النصر، بينما الحقيقة أن كل مدرعة تحركت لانتزاع صورة، وكل جندي سخر لهذا العبث، كان يصرخ من حيث لا يشعر بمدى الضعف والوهن الذي يسكن هذه المنظومة التي تخشى الورق وتفزع من الجماد.
فإذا كانت الصورة الصامتة الجامدة قد فعلت بهم كل هذه الأفاعيل، وزلزلت كيانهم حتى استنفروا لها الجيوش في عتمة الليل، فكيف سيكون حالهم لو حضر الزبيدي بشخصه وسط تلك الساحة، وكيف ستكون رجفة فرائصهم لو واجهوا الحقيقة عيانا دون وسيط من قماش أو إطار، فهذا التصرف لا يفسر إلا بكونه اعترافا صريحا بالعجز، وسقوطا مدويا في هاوية التخبط السياسي، إذ عوضا عن مجاراة الإرادة الشعبية أو احترام خيارات الجماهير، ذهبوا يفرغون شحنات غضبهم في منصات خاوية، متناسين أن القائد الذي بايعه الناس في مشهد استثنائي لا تضره إزالة صورة، بل ترفعه تضحيات الأتباع الذين يرون في هذا الاستهداف دليلا جديدا على صوابية المسار وعظمة المقصد، لتظل الساحة شاهدة لا على انتزاع صورة، بل على انتزاع هيبة من أقدم على هذا الفعل المشين أمام التاريخ وأمام الشعب الذي لا ينسى