حنين الذكريات
الأربعاء - 13 مايو 2026 - 11:42 م
صوت العاصمة/ كتب : حسين أحمد الكلدي
ظلّت زيارتي الأولى إلى عدن عام 1967، حين كان عمري تسع سنوات، عالقةً في ذهني بصورة لا تشبه أي زيارة أخرى عرفتها في حياتي. كانت لحظةً مشبعةً بالدهشة والانبهار، كأنني أرى العالم لأول مرة بعين طفل لا يستطيع استيعاب اتساع ما يحيط به من تفاصيل جديدة ومختلفة. وعندما كنت أعود بذاكرتي إلى تلك البيئة الصغيرة المألوفة التي نشأت فيها، كنت أدرك أن ذلك الانبهار لم يكن مجرد رحلة عابرة، بل مغامرةً مملوءةً بالفضول والبهجة والاكتشاف. ما زلت أتذكر كل شيء بتفاصيله الدقيقة؛ حتى شراب “الكندا دراي” ما زلت أستحضر مذاقه في أعماقي منذ تلك اللحظة وحتى اليوم. ولم تفارق مخيلتي تلك البقعة من الأرض، “باتيس”، التي ارتبطت في وجداني ببداية اكتشاف عالم آخر مختلف تمامًا عن عالم الريف البسيط الذي عرفته. ولهذا أدعوك إلى استعادة ذكرياتك القديمة، مهما كانت بسيطة، ومحاولة إعادة تجسيد تلك اللحظات أو الأماكن أو الأنشطة المشابهة لها، لأن بعض الذكريات لا تموت، بل تبقى حيّة في أعماقنا، تُعيد تشكيل شعورنا بالحياة كلما استحضرناها. ورغم الجو الحار الخانق تلك الأيام، والزحام الذي لم أعتده، وأضواء الشوارع التي أبهرتني، والسيارات التي لم أرَ مثلها من قبل، كنت أحدّق في كل شيء من حولي بدهشة صامتة؛ في الناس المارّة، واللوحات المعلّقة على الدكاكين، والمطاعم، وأصوات السيارات، وحتى الإعلانات المثبّتة على أعمدة الكهرباء. كنت أراقب الباعة المتجولين وهم يعرضون بضائعهم على الأرصفة والبسطات الصغيرة، وكان كل ما أراه يبدو لي غريبًا ومثيرًا في آنٍ واحد. حتى المقاهي التي تبيع الشاي العدني كانت تثير استغرابي، وكنت أتساءل في داخلي: لماذا يصبّ الناس الشاي من الكأس إلى الصحن الصغير “السيسر”؟ فأجابني أحد الأصدقاء بأنهم يفعلون ذلك لأنهم مستعجلون. كما أذهلني بائع الليمون المثلج، الذي ترك في نفسي انطباعًا لا يُنسى عن لذة ذلك المشروب البسيط، وكذلك صاحب “الثريب” تحت مسجد النور. كنت أرى الشوارع مزدحمةً ليلًا ونهارًا بلا توقف، وكانت المفاجأة الكبرى بالنسبة لي عندما رأيت الناس يشترون المشموم والريحان والفل والكاذي في سوق القلعة عدن ؛ ففي الريف كنّا نزرع هذه الأشياء ونهديها لمن يحتاجها، ولم نكن نعرف فكرة بيعها أصلًا، كما أن الورود لم تكن جزءًا من حياتنا الريفية. وكانت روائحها العطرة تملأ الشوارع بصورة آسرة.
وعندما كنت أسمع الأغاني المنبعثة من أجهزة التسجيل في محال بيع الأشرطة والأسطوانات، كنت أطرب لها رغم أنني لا أفهم كلماتها، ولم أسمع مثلها من قبل، إذ لم يكن لديّ راديو أو مسجل في طفولتي. كما شدّتني استديوهات التصوير الفوتوغرافي، وجعلتني أتوق إلى التقاط صورة شخصية لأول مرة في حياتي. ولفت انتباهي أيضًا الحمالون الذين يحملون البضائع على أكتافهم، وكذلك الحمير والجمال التي تجر العربات في الشوارع. كانت تلك المشاهد جميعها جديدة عليّ تمامًا، ولم أرَ لها مثيلًا في حياتي السابقة. لكن أكثر ما أدهشني كان بائع الفطور في “فرزة زنجبار”، وهو يطهو سمك “العيدة” على الصاج في الصباح الباكر. وهناك، للمرة الأولى، تذوقت السمك الطازج؛ إذ إن معرفتي بالسمك في طفولتي كانت تقتصر على السردين المعلّب والتونة. كنت أراقب كل شيء يتحرك في الشارع، حتى الوجوه التائهة لأولئك الذين يتسكعون بلا عمل، وهي مشاهد لم تكن مألوفة في الريف. كما كانت تلك المرة الأولى التي أرى فيها سائقي سيارات الأجرة وهم ينادون على الركاب بأعلى أصواتهم. وكانت أيضًا أول مرة أركب فيها سيارة من الحصن إلى جعار، ثم سيارة أجرة أخرى إلى زنجبار. وأتذكر أن أغنيةً لـ فريد الأطرش كانت تُبث داخل سيارة الأجرة، لكنني، لعدم معرفتي باللهجة المصرية وعدم سماعي لهذا النوع من الغناء من قبل، ظننت في البداية أن الرجل يقرأ القرآن. كنت، في تلك الرحلة، أكتشف أنماطًا جديدة من الحياة مع كل خطوة أخطوها، حتى جاء وقت النوم، فاتجهنا إلى منطقة تُدعى “الخساف”، وهناك رأيت أسرّةً مصنوعة من الخشب والحبال، مصطفّة بجوار بعضها، تعلوها أقمشة قديمة ومتسخة، وكانت تُستخدم كفنادق شعبية بسيطة للإيجار على قارعة الطريق. لم يَرُق لنا المكان، فذهبنا إلى صديق يعرفه مرافقي، فجهّز لنا فراشًا فوق سطح دكانه في الشيخ عثمان. وعند الفجر، أيقظنا أذان الصلاة، فتوجهنا إلى مسجد النور، واغتسلنا هناك ثم صلّينا. وبعدها أخذت أتأمل الدكاكين الممتلئة بالبضائع التي لم أرَ مثلها من قبل، وأقارن بينها وبين بساطة الحياة في الريف. كان الفارق شاسعًا إلى درجة جعلتني أشعر بالتيه أمام كل ما أراه، فكنت أكتفي بالسير خلف زملائي بصمت، دون أن أنطق بكلمة واحدة.
وتبقى تلك الرحلة من أجمل ذكريات طفولتي وأكثرها تأثيرًا في وجداني. فقد اجتمعت كل تلك التفاصيل الصغيرة لتزرع في داخلي حبًا عميقًا لتلك المدينة التي رأيتها لأول مرة. ثم تكررت زياراتي إليها، وعندما سنحت لي الفرصة عدت للدراسة فيها، فسكنتُها طويلًا، لكنها — في الحقيقة — سكنتني إلى الأبد. واليوم، كلما استعدت تلك الأيام، أشعر أن كل شيء ما يزال حاضرًا في ذاكرتي بتفاصيله الحيّة. وأتذكر أيضًا عندما عدت إليها للدراسة وذهبت مع زملائي إلى السينما لأول مرة. كنت مأخوذًا بما يحدث داخل تلك القاعة المظلمة بصورة لا يصدقها العقل. وعندما بدأ عرض الفيلم، شعرت وكأن روحي تكاد تقفز من داخلي من شدة الانبهار، فقد كانت تلك لحظة تفوق قدرة عينيّ الصغيرتين على استيعاب ما تراه. عدتُ وأنا اليوم أطالع صورًا لي في تلك اللحظات، فاستعدت تلك المشاعر الإيجابية التي غمرتني وأنا أتجول في شوارع لم تطأها قدماي من قبل، وأدخل دكاكينها ومطاعمها. وكانت تلك الصورة التي نقلتها لكم أثناء تجولي في مدينة عدن عام 67. وأدركت في ذلك الوقت، في أعماق ذاتي، أنه لو أتيحت لي الفرصة لأن أعيش في هذه المدينة الجميلة لاخترت البقاء فيها. وشعرت بامتنان عميق لأنني حظيت بهذه الفرصة لرؤية هذه المدينة العظيمة. وأنا اليوم أتأمل بعناية الصور التي أخذتها في كل مكان من تلك المرحلة، فأدرك أن تلك الصور توثق جزءًا من حياتي.
حسين بن أحمد الكلدي
13 مايو 2026