الأوطان لا يسقطها الخصوم فقط… بل يهدمها أبناؤها حين يفقدون معنى الثبات
السبت - 23 مايو 2026 - 12:24 ص
صوت العاصمة/ بقلم / د. عامر الحريري
في اللحظات المفصلية من تاريخ الشعوب، لا تكون المعركة الحقيقية مع الخصوم وحدهم، بل مع حالة الإنهاك الداخلي التي تحاول أن تتسلل إلى الوعي الجمعي وتحوّل الإحباط إلى مشروع هدم ذاتي. والجنوب اليوم يعيش واحدة من أكثر مراحله تعقيداً وتشابكاً؛ مرحلة تتطلب وعياً سياسياً عميقاً، وثباتاً وطنياً مسؤولاً، وإدراكاً بأن الحفاظ على ما تبقى من أدوات القوة الوطنية بات معركة بحد ذاتها.
إن النقد في أي تجربة سياسية حق مشروع، بل ضرورة صحية لتصويب المسار، غير أن الفارق كبير بين نقدٍ يسعى للبناء، ونقدٍ يتحول إلى معول هدم في لحظة تتكالب فيها المشاريع الإقليمية والمحلية لإضعاف القضية الجنوبية وضرب حواملها السياسية. فحين يصبح الخطاب موجهاً نحو جلد الذات، واستنزاف ما تبقى من المعنويات، والبحث في أخطاء الماضي بطريقة انتقائية ومشحونة بالرغبة في الإسقاط لا الإصلاح، فإن ذلك لا يخدم سوى خصوم القضية الذين يدركون جيداً أن تفكيك الجبهة الداخلية أخطر من أي مواجهة مباشرة.
لقد تعرض الجنوب خلال السنوات الماضية إلى استهداف سياسي واقتصادي وإعلامي واسع، ولم يكن الاستهداف موجهاً لأشخاص أو أسماء بعينها، بل للمشروع الوطني الجنوبي نفسه، باعتباره آخر ما تبقى من مقومات القوة السياسية التي ما زالت تعبّر عن إرادة شريحة واسعة من أبناء الجنوب. ومن هنا فإن مسؤولية المرحلة لا تقتصر على القيادات فقط، بل تشمل كل صاحب موقف، وكل صاحب كلمة، وكل من يؤمن بأن الأوطان لا تُبنى بالمزايدات العابرة ولا بالانسحاب عند أول تعثر.
إن الشعوب التي انتصرت في معاركها الوطنية عبر التاريخ لم تكن شعوباً مثالية، ولم تكن خالية من الأخطاء أو الفساد أو التباينات الداخلية، لكن ما منحها القدرة على الصمود هو وجود رجال آمنوا بالقضية أكثر من إيمانهم بالمكاسب، وتعاملوا مع النضال باعتباره واجباً أخلاقياً ووطنياً لا وظيفة مؤقتة مرتبطة بالموقع أو الامتيازات.
وفي هذا السياق، لا يمكن إنكار حضور شخصيات وطنية وإعلامية وسياسية ظلت ثابتة في أحلك الظروف، وقدّمت ما استطاعت وفق إمكانياتها، بعيداً عن حسابات الربح والخسارة. فهناك من أدرك أن المعركة الكبرى لا تُدار فقط في الميدان، بل أيضاً في معركة الوعي والثبات المعنوي، ولذلك بقي صوته حاضراً دفاعاً عن القضية رغم كل الضغوط والتحديات.
كما أن المرحلة الراهنة تتطلب إعادة الاعتبار لفكرة “النضال الواعي”، القائم على العمل الواقعي وخدمة الناس وتعزيز التماسك المجتمعي، لا على تحويل الإحباط إلى حالة جماعية تدفع الناس نحو اليأس أو الانقسام. فالوطن لا يُحمى بخطابات التخوين، ولا بإشاعة العجز، ولا بتضخيم السلبيات حتى تبدو وكأنها الصورة الوحيدة للمشهد.
نعم، هناك أخطاء، وهناك متسلقون ومصلحيون ومتلوّنون، وهذه ظاهرة لم تخلُ منها أي تجربة سياسية في العالم، لكن وجود تلك النماذج لا يبرر إسقاط المشروع الوطني بأكمله أو تحويل المعركة إلى صراع داخلي مفتوح يستنزف الجميع. فالعاقل هو من يفرّق بين معالجة الأخطاء، وبين هدم السقف الوطني الذي يحتمي تحته الجميع.
إن المرحلة اليوم تحتاج إلى رجال دولة لا إلى هواة صراعات، وتحتاج إلى خطاب يعزز الثقة والصمود لا إلى خطاب يزرع الإحباط ويحوّل كل أزمة إلى إعلان هزيمة. فالأوطان لا تتحرر بالشعارات وحدها، ولا بالبحث المستمر عن المبررات، بل بإرادة الشرفاء الذين يعملون بصمت، ويؤمنون أن النضال الحقيقي هو الذي يستمر رغم قسوة الظروف وتراجع الإمكانيات.
لقد علّمتنا تجارب التاريخ أن القضايا العادلة تمر دائماً بمراحل إنهاك وتراجع وضغط، لكن ما يصنع الفارق في النهاية هو قدرة أصحاب القضية على الثبات، وعدم السماح للعواصف بأن تحوّلهم إلى أدوات هدم لأنفسهم بأيديهم.
ولهذا، فإن الجنوب اليوم بحاجة إلى ثقافة الصمود المسؤول، وإلى خطاب وطني متزن يدرك حجم التحديات، ويؤمن أن الحفاظ على تماسك الصف الوطني ليس خياراً ثانوياً، بل شرط أساسي لأي مشروع سياسي يريد أن يبقى حياً وقادراً على مواجهة المستقبل.