مداد العاصمة



قضية الجنوب في خطاب الوَحْلَة: بين تكريس ثقافة الهيمنة واستحقاق ناقص مشروط بالـ"يمننة"

السبت - 23 مايو 2026 - 12:55 ص

قضية الجنوب في خطاب الوَحْلَة: بين تكريس ثقافة الهيمنة واستحقاق ناقص مشروط بالـ"يمننة"

صوت العاصمة/ كتب / د. أمين العلياني



في ليلة الثاني والعشرين من مايو، حين يُسدل الليل ستره على أرض الجنوب المثقلة بذاكرة الدم، وحين تطل ذكرى يتغنى بها المحتلون، يطل خطابٌ للقوى الاحتلالية لا يحمل في طياته نسائم الاعتراف، ولا يبشر بفجر الاستحقاق العادل. بل يأتي خطابًا ثقيل الوطأة، متكرر النبرات، كصدىً حزين يتردد في وادٍ موحش، يبدأ من حيث ينتهي، ويدور في فلكٍ مفرغ عنوانه العريض: "الشرعية واستعادة مؤسساتها من الجنوب المحرر". وكأن هذه الكلمة، في قاموس القادمين من كهف الماضي، قد تحولت إلى تميمةٍ سحرية تُلبس كقناعٍ مخملي، لتُخفي وراءها ذلك الوجه العاري: وجه الهيمنة الشمالية الاحتلالية التي تأبى الرحيل، وتأبى أن تعترف بأن الأرض قد ولّدت أصحابها الجدد القادرين على حمايتها.

يبدأ الصوت عاليًا، جهوريًا، متوشحًا بلغة خشبية مستهلكة عن استعادة الشرعية، متحدثًا ببلاغة مزيفة عن مؤسساتٍ أنهكها الخلل، وعن دولةٍ أصابتها الاختلالات بفعل قيادتهم الهاربة. لكن الأُذن الجنوبية، التي صقلتها سنون الحرب وأرهقها الألم، صارت خبيرة في تفكيك الشفرات، وقراءة ما بين السطور المسمومة، وتسمع بوضوح ما لا يُقال: كأن هذه الأرض المحررة، التي اختلطت تربتها بدماء الشهداء وسالت عليها تضحيات الأبطال، ليست في نظرهم سوى عقارٍ شاسع، ومجالٍ حيوي مُعدٍّ لإعادة التموضع وبسط الهيمنة من جديد، لأولئك الذين لاذوا بالفرار حين دوّى الرصاص.

وهذا الخطاب، الذي أُلقي بلسان الهارب، يرقص فوق الجراح المفتوحة، لا ليداويها بمرهم الاعتراف، بل ليؤكد، بكل صفاقة، أن الجنوب ما زال ملكًا يمينهم، وأنه، رغم طوفان دمائه، ما يزال في دفاترهم الصفراء "إقليمًا خُلخلت أوصاله" بفعل عبثهم بأرواح هذا الشعب، مستقوين بإقليمٍ متآمر، هذا الشعب الذي ضحى لأجل تحرير الأرض منهم ومن دنسهم! هكذا يُراد لهذا التاريخ الماجد أن يكون قدرًا محتومًا، وإثمًا لا يُغتفر، يُبقي أبناءه تحت سطوة الأوامر والإملاءات، رهائن لأطماعهم التي لم تمت.

ثم، في ذروة المشهد الاستفزازي، تأتي اللحظة الأشد وقاحةً والمتوجة بالخبث السياسي، تأتي الدعوة المنمقة إلى الاعتراف بقضية الجنوب وعدالتها، في سياق عبارةٍ براقة كسرابٍ في وضح النهار، تُرفع كيافطة دولية مخادعة، وسرعان ما يُهيأ لها مشهد آخر في الغرف المغلقة: مشهد "مصقلة التشريح السياسي". وهنا تحديدًا، تبدأ حبكة الربط القاتلة، تلك البراعة الشيطانية في ربط عنق قضية شعبٍ وجغرافيا ودولة بحبل المشنقة المسمى "المرجعيات الثلاث" والقرار الدولي 2216. إنهم يُحيلون الأفق – أفق شعبٍ طامح لاستعادة دولته المسلوبة – إلى جدارٍ إسمنتي مسدود، ويجعلون من الحلول الممكنة سرابًا يترنح على آلام شعبٍ صابر، شعبٍ ثائر لا تنكسر عزيمته. ويظنون بهذه الحبكة البارعة أنهم قادرون على وأد طموح هذا الشعب العظيم، وعلى جعل الخلاص المنشود أسيرًا لنصوصٍ بالية، كُتبت أصلًا لإدامة الأزمة وتقنين الهيمنة، لا لحلّها وفكّ أسر الإنسان الجنوبي نحو دولته المنشودة.

في هذا المشهد العبثي الموجع، تُغيّب إرادة شعب الجنوب الأبي عنوةً، ويتم وأد استحقاقاته الوطنية في مهدها بدم بارد. ولم يعلموا أن شعبًا مارس الحرية بالبندقية والصبر، ها هو يُكافأ بمنتهى الجحود بتجزئة طموحاته المشروعة إلى فتاتٍ مهين من وعود الخدمات والرواتب. يتوشحون بها عليه، لا كحقٍ أصيل ناتج عن ثرواته المنهوبة، وعن أرضه التي حررها بدمه، بل كصدقةٍ سياسية مهينة، تُمَنُّ بها أيادٍ ما تزال تعتبر هيمنتها امتدادًا طبيعيًا لواقعٍ بائد ما قبل التحرير. وكأن كل ذلك الدم المُراق لم يكفِ ليغسل عنهم عار الاستتباع التاريخي، وكأن التضحيات الجسام التي قدمها هذا الشعب لم تكن كافية ليقول كلمته كاملة، سيدًا لنفسه، قابضًا على قراره.

وهكذا، في كل عام، يتجدد هذا الطقس الخطابي المشؤوم، لا ليقدم حلًا أو يبشر بمستقبل، بل ليؤجل الحقيقة ويسوّفها، وليكرس معادلته المقلوبة: أن تبقى "الشرعية" المتهاوية هي الإطار الأوحد لرؤية الجنوب، فلا يحق له الحديث عن استعادة دولته وأرضه المسلوبة، ولا يُعترف له بندية شعبٍ جريح، انتزع أرضه بحد السيف وضراوة الدم. ويبقى الجنوبي، في ليله البهيم، واقفًا على أطلال الفرص الضائعة، يستمع لخطاب الوحلة الذي أحال التحرير إلى فخ، والقضية العادلة إلى مجرد كلمات جوفاء، ليظل السؤال عالقًا في حنجرة التاريخ، كغصة لا تبلعها الأيام: إلى متى تظل هذه الأرض المحررة أسيرة تعريفٍ لم يكتبه أبناؤها، ولم تمله تضحياتهم؟



الأكثر زيارة


صلح قبلي ينهي بالصفح عن المتسبب في الحادث الأليم الذي راح ضح.

الجمعة/22/مايو/2026 - 06:08 م

شهدت العاصمة عدن، اليوم، صلحًا قبليًا أنهى بالصفح والعفو قضية الحادث الأليم الذي راح ضحيته الفقيد العميد مثنى سعيد قاسم العنفدي الشعيبي، إثر حادث مرور


شكري فون يفتتح فرعه الثاني في العوابل بخصومات تصل إلى 30‎%‎.

الخميس/21/مايو/2026 - 10:54 م

أعلن محل شكري فون رسمياً افتتاح فرعه الثاني في مديرية الشعيب بمدينة العوابل، في خطوة جديدة تعكس توسع المحل وثقة العملاء المتزايدة بخدماته وجودة منتجات


عاجل وخطير.. مسؤول أمني: عناصر إرهـ.ـابية ضمن قوات قدمت عدن .

الجمعة/22/مايو/2026 - 03:12 ص

قال قائد قوات الحزام الأمني بمحافظة أبين، تضمنت تحذيرات خطيرة بشأن تحركات لعناصر متشددة يُقال إنها وصلت مؤخرًا إلى العاصمة عدن ضمن قوات قادمة من محافظ


إعلان فك الارتباط مدعوم خليجيًا.. وخطاب رشاد العليمي يعرقل .

الجمعة/22/مايو/2026 - 07:25 م

تأتي الذكرى السنوية هذا العام لإعلان فك الارتباط في 21 مايو 1994م، الذي أعلنه الرئيس الجنوبي الراحل علي سالم البيض، في ظل متغيرات سياسية وعسكرية مختلف