مداد العاصمة



حين يتكلم الخصوم بعد الرحيل: قراءة في استهداف الرئيس عبدربه منصور هادي

الإثنين - 01 يونيو 2026 - 08:43 م

حين يتكلم الخصوم بعد الرحيل: قراءة في استهداف الرئيس عبدربه منصور هادي

صوت العاصمة/ بقلم: أ.د أحمد الشاعر باسردة



ترددنا كثيرًا في الرد على تلك الأصوات التي خرجت من بعض النخب الشمالية، والتي اختارت توقيتًا بالغ الحساسية لتفتح نيران نقدها، بل وشتائمها، على الرئيس الجنوبي الراحل عبدربه منصور هادي، بعد أن غيّبه الموت وانتقل إلى جوار ربه. كان الصمت في لحظة الفقد أولى، وكان من الممكن تجاوز كثير مما قيل احترامًا لحرمة الموت، لكن إصرار تلك الأقلام على الإساءة، وانتظارها لحظة الغياب لتنفث ما في صدورها، يفرض قراءة أعمق تتجاوز ردود الفعل إلى تحليل الدوافع والغايات.

ليس من الإنصاف اختزال تجربة رجل في لحظة خلاف سياسي أو في نتائج مرحلة معقدة عاشتها البلاد. فالرئيس هادي، رغم كل ما يمكن أن يُقال عنه نقدًا أو تقييمًا، قضى عقودًا من عمره في خدمة الدولة اليمنية، وكان جزءًا من منظومتها العسكرية والسياسية، ووقف في مفاصل تاريخية حاسمة، من بينها حرب 1994 التي انحاز فيها لخيار الوحدة، مؤمنًا بها ومقاتلًا من أجلها. هذا الخيار الذي يُعاد اليوم التشكيك فيه، كان في حينه محل إجماع أو شبه إجماع لدى كثير من القوى، بمن فيهم من يهاجمونه اليوم.

المفارقة المؤلمة أن ذات النخب التي تتحدث اليوم بلغة حادة، لم تجرؤ على هذا الخطاب في حياة الرجل، ولم تواجهه مباشرة، بل انتظرت حتى غيابه لتُظهر ما أخفته، وهو سلوك يطرح تساؤلات أخلاقية قبل أن يكون سياسيًا. هل الهدف تقييم التجربة فعلًا، أم تصفية حسابات؟ وهل النقد هنا موضوعي، أم أنه انعكاس لحالة عداء متجذرة تجاه كل ما هو جنوبي في موقع القرار؟

لا يمكن إنكار أن مرحلة حكم هادي كانت مليئة بالتحديات، وأنه اتخذ قرارات يراها البعض أخطاءً استراتيجية، وعلى رأسها تمسكه بمشروع الأقاليم في لحظة كان فيها الشارع الجنوبي يتجه بقوة نحو فك الارتباط. حين وصل إلى عدن بعد خروجه من صنعاء تحت ضغط الحوثيين، كان أمامه خياران: إما الانحياز للمزاج الجنوبي وإعلان استعادة الدولة، أو الاستمرار في مشروعه الاتحادي. اختار الخيار الثاني، وهو ما اعتبره كثير من الجنوبيين حينها خطأً تاريخيًا، بل الفرصة التي ضاعت.

لكن تحميل الرجل وحده كل ما آلت إليه الأوضاع فيه قدر من التبسيط المخل. فالمشهد اليمني كان ولا يزال شديد التعقيد، تتداخل فيه العوامل الداخلية بالإقليمية، وتتشابك فيه المصالح بشكل يجعل أي قرار مصيري رهين توازنات أكبر من إرادة فرد. ومع ذلك، فإن هذا لا يعفي من ضرورة التقييم، لكنه تقييم يجب أن يكون منصفًا، لا انتقائيًا، ولا مشحونًا بلغة الكراهية.

اللافت في الهجوم الأخير ليس فقط مضمونه، بل لغته أيضًا. فقد انحدر الخطاب إلى مستويات غير مسبوقة من السباب والتشهير، في تجاوز واضح لكل الأعراف، بل وحتى لأبسط القيم الاجتماعية. وهذا يكشف أن المسألة لم تعد مجرد اختلاف سياسي، بل تحولت إلى حالة عداء عميق، تتجذر في الوعي وتنعكس في الخطاب.

هذا السلوك لا يمكن فصله عن حالة الاحتقان المتراكمة بين الشمال والجنوب، والتي وصلت اليوم إلى مستويات غير مسبوقة. فالجنوبي الذي يرى أرضه تُنهب، وقراره يُصادر، وثرواته تُستباح، لن يكون مستعدًا لتقبل خطاب يتعالى عليه أو يهاجم رموزه، خصوصًا بعد رحيلهم. كما أن الإصرار على تجاهل هذه المشاعر، أو التقليل من شأنها، لا يؤدي إلا إلى تعميق الفجوة.

إن الحديث عن إعادة بناء وحدة أو شراكة في ظل هذا المناخ يبدو بعيدًا عن الواقع. فالوحدة ليست مجرد إعلان سياسي، بل هي شعور بالانتماء المتبادل، واحترام متبادل، وثقة تُبنى ولا تُفرض. وعندما تصل الكراهية إلى هذا المستوى، فإن أي حديث عن وحدة يصبح نظريًا، إن لم يكن مستحيلًا.

اليوم، وبعد رحيل هادي، لا الأقاليم تحققت، ولا الوحدة استقرت، ولا الدولة استعادت عافيتها، ولا الخدمات تحسنت، ولا الرواتب انتظمت، ولا صنعاء تحررت. هذه الحقيقة القاسية تفرض مراجعة شاملة، لا لشخص واحد، بل لمنظومة كاملة، ولخيارات سياسية امتدت لعقود.

في المقابل، يتشكل في الجنوب وعي جديد، يتجاوز العاطفة، ويتجه نحو تقييم موضوعي للتجربة، بما فيها تجربة هادي نفسه. هذا التقييم لن يكون مبنيًا على ردود فعل، بل على قراءة عميقة لما حدث، ولماذا حدث، وما الذي يجب أن يكون عليه المستقبل.

العالم يدرك اليوم حجم الفجوة بين الشمال والجنوب، ويدرك أن هذه الفجوة لم تعد قابلة للردم بالشعارات. الحلول، إن وجدت، يجب أن تنطلق من الاعتراف بالواقع، واحترام إرادة الشعوب، والبحث عن صيغ جديدة تحقق الاستقرار، لا إعادة إنتاج الأزمات.

في النهاية، يبقى السؤال الأهم: هل نحن أمام نقد لتجربة، أم أمام تصفية حساب مع هوية؟ الإجابة على هذا السؤال هي التي ستحدد شكل المرحلة القادمة، ليس فقط في الخطاب، بل في الفعل وهو المطلوب على امتداد جغرافيا الجنوب



الأكثر زيارة


ارتفاع الوفيات بين كبار السن في عدن وسط تفاقم أزمة الكهرباء .

الأحد/31/مايو/2026 - 11:14 م

تشهد العاصمة عدن أوضاعاً إنسانية مقلقة منذ فجر اليوم، مع تزايد حالات الوفاة بين عدد من كبار السن، لا سيما المصابين بالأمراض المزمنة مثل السكري وارتفاع


ابناء العوابل يحتفون بزفاف الشاب محمد بسام الخيلي في ولاية ك.

الأحد/31/مايو/2026 - 09:57 م

شهدت ولاية كاليفورنيا الأمريكية، اليوم الأحد الموافق 31 مايو 2026م، مراسم زفاف الشاب محمد بسام محمد شايف الخيلي على كريمة الأخ وهيب عسكر علي ناجي الخي


النقيب : المجلس الانتقالي خرج من التحديات التي واجهها أكثر ق.

الأحد/31/مايو/2026 - 09:14 م

قال القائم بأعمال رئيس هيئة الإعلام والثقافة بالأمانة العامة لهيئة رئاسة المجلس الانتقالي الجنوبي العربي، زيد النقيب في لقاء صحفي أجرته معه ارم نيوز ،


القائم بأعمال الأمين العام يؤدي واجب العزاء في وفاة الرئيس ا.

الأحد/31/مايو/2026 - 07:53 م

أدّى القائم بأعمال الأمين العام للأمانة العامة لهيئة رئاسة المجلس الانتقالي الجنوبي العربي، الأستاذ وضاح الحالمي، اليوم الأحد، واجب العزاء في وفاة الر