من القاهرة إلى عدن… تتغيّر المدن، لكن الرصـ.ـاصة التي تخاف الحقيقة تبقى واحدة
الخميس - 04 يونيو 2026 - 12:10 ص
صوت العاصمة/ بقلم/ ولاء عمران
كانت أول مرة ألتقيه في المكلا أثناء زيارتي الأولى، والتقطنا صورة جماعية ، كان بجواري وبعد استشهاده وضعتها كصورة غلاف لي على منصة إكس كي أخلد ذكراه للأبد. تحدثنا قليلًا، عن المهنة، عن الخوف، عن التعب، عن المخاطر، عن تلك المعركة اليومية في ميدان الحرب ولقطاته التي أثارت الجدل، عن صورته وهو يضحك وخلفه دبابة الإرهابيين تحترق. قال لي وقتها إن الصورة الصادقة لا تحتاج ضجيجًا، يكفيها أن تكون أمينة، وستصل وحدها.
كان يؤمن أن الكاميرا شهادة، وأن الصحفي حين يختار هذا الطريق، يوقّع ضمنيًا على عقدٍ مع الضمير.
حدثني عن تنقلاته بين الجبهات، عن ليالٍ نام فيها على أصوات القصف، وصباحاتٍ استيقظ فيها على رائحة البارود، دون أن يفكر يومًا في التراجع.
لم يكن يبحث عن بطولة، ولا عن شهرة، كان يريد أن يقول للعالم فقط: “نحن هنا”. كان يعرف أن الطريق محفوف بالموت، لكنه كان يمشي فيه بابتسامته، كأنها درعٌ خفي، وكأنها رسالة تحدٍ لكل من أراد إسكات الصورة. لم يكن يخاف الرصاص بقدر ما كان يخاف أن يخذل ويُخان.
وحين أتذكره اليوم، أدرك أن نبيل لم يُقتل حين أطلقوا عليه الرصاص، بل ظل حيًا في كل صورة التقطها، في كل جريمة فضحها، في كل ذاكرةٍ تركها في قلوب من عرفوه.
رحل الجسد، وبقيت العدسة شاهدة، وبقيت الابتسامة تُرهبهم حتى بعد الغياب.
وحين وُضعت شارة نقابة الصحفيين على اسمه، شعرتُ بألمٍ عظيم، كأن العدالة جاءت بعد فوات الأوان، وكأن الاعتراف اختار اللحظة الخطأ.
تمنيت لو عاش واستلمها بنفسه، لو ابتسم ابتسامته الشهيرة وهو يحملها بفخر، لو عاد من الميدان ذات يوم ليقول: “ها قد اعترفوا بنا… ونحن أحياء”.
كانت الشارة على اسمه تكريمًا، نعم، لكنها كانت أيضًا اعترافًا قاسيًا بأننا كثيرًا ما نُقدّر الشرفاء بعد رحيلهم، ونمنحهم الأوسمة حين لا يعودون قادرين على لمسها.
أدركتُ يومها أن نبيل لم يكن بحاجة إلى شارة ليكون صحفيًا حقيقيًا، فقد كان يحمل نقابته في ضميره، في صدقه، في شجاعته، في كل صورة التقطها وهو يعرف أنه قد لا يعود