زئير السبت العظيم: حين تضع إرادة الجنوب غطرسة الوصاية في نصابها الصحيح
الجمعة - 19 يونيو 2026 - 12:20 ص
صوت العاصمة/ بقلم / حافظ الشجيفي
تأبى حقائق التاريخ وموازين العدل والكرامة في الأرض إلا أن تضع كل ذي متغطرس عند حده الحقيقي، وحين تتداخل الأوهام في مخيلة صناع القرار الإقليمي تتبدى حتمية الصدام الوجداني والسياسي بين إرادة الشعوب الحية وبين نزعات الوصاية والهيمنة العبثية، والجنوب العربي الذي شيد بنيان هويته بدماء زكية وتضحيات جسام لم يكن يوما، ولن يكون مجرد مساحة جغرافية مستباحة لتصفية الحسابات أو حقل تجارب لسياسات التمزيق وصناعة الكيانات الكرتونية الخاوية التي يراد منها وهن العزيمة وتشتيت الصف، وما يجري منذ يناير الماضي من تدخلات سعودية سافرة وتوغل فج في صميم الشأن الجنوبي يتجاوز بالكلية حدود التفويض الدولي المفترض، لينحرف إلى مسلك صلف متعجرف يفوق في غطرسته أساليب القوى الاستعمارية الغابرة، متناسيا أن الشعوب الحرة لا تقاد بالوصاية ولا تعامل كأطفال قاصرين يحتاجون إلى من يرسم لهم معالم الغد، أو يحدد لهم خياراتهم المصيرية رغما عن أنوفهم لخدمة مأرب وقوى الاحتلال اليمني التي لطالما عانى منها الجنوب الويلات والمرارات وطالما قدم قوافل الشهداء للانعتاق من براثنها وضيمها.
ولعل المدى الذي بلغه هذا الصلف الإقليمي قد جاوز المدى المسموح به في قاموس الصبر والسياسة والجوار، وأصبح السكوت عليه ضربا من التفريط والذل والمهانة التي لا يستسيغها حر، وحين تظن الرياض واهمة أن بوسعها تركيع هذا الشعب الأبي عبر سلاح الخدمات البائس وإثارة القلاقل والفتن والنعرات البغيضة، فإنها تغفل عن قراءة التاريخ وتجهل طبيعة الإنسان الجنوبي الذي يملك من الخيارات المصيرية ما يزلزل الأرض تحت أقدام المتطاولين على سيادته وكرامته، وكان ذلك الصمت الطويل الممتد طوال الفترة الماضية مرده الحكمة والتروي والأمل في ثوب يرتديه العقلاء لمراجعة تلك الخطايا الجسيمة التي ترتكب بحق بلد جار وشعب حليف، لكن الإمعان في التجاوز وهتك الخطوط الحمراء والمقدسات الوطنية والانتهاك الصارخ للخصوصية السياسية جعل الجنوبيين يدركون بصورة قطعية أن التمادي قد بلغ ذروته، ولم يعد يجديه نفعا سوى المجابهة والمكاشفة ووضع النقاط على الحروف بملء الفم ومواجهة الغطرسة بحد السيف وجذوة الإرادة.
ولم يعد هناك متسع من الوقت للمواربة أو الانتظار، فالسبت القادم هو الموعد المضروب مع التاريخ وهو اليوم المشهود الذي ستتحرك فيه الجماهير الجنوبية عن بكرة أبيها في تظاهرة عارمة كبرى لن يتخلف عنها مواطن واحد، تظاهرة تختلف في كينونتها ومساقها وحجمها عن كل ما سبقها، لتكون أم المظاهرات التي تزلزل عروش الأوهام وتسمع أصم الآذان في الداخل والخارج، حاملة رسالة الإنذار الأول والأخير الذي يجب على القيادة السعودية أن تلتقطه بعين الجد والمسؤولية قبل فوات الأوان، ومفاد هذه الرسالة الشعبية المدوية أن الوجود السعودي في الجنوب بات غير مرحب به وأنه قد سقطت شرعيته الأخلاقية والسياسية، وأن الرحيل ورفع اليد عن مقدرات الجنوب هو الممر الوحيد الآمن، وإلا فإن الأيدي التي امتدت بالسوء ستقطع لزاما بقوة الحق الشعبي وجبروت الكبرياء الوطني الذي لا يقهر ولا يستكين.
فالسبت القادم هو يوم الحسم الفاصل والمنعطف التاريخي الذي يضع الأمور في نصابها الصحيح، فإما أن تثوب الرياض إلى رشدها وترفع يدها وتكف عن التدخل في شؤون الجنوب وترك الخيارات لاصحابه، وإما فإن الخيارات الشعبية والسياسية والميدانية القادمة ستكون واسعة وعنيفة ومفتوحة على كل الاحتمالات التي لا تسر الخصوم، ومخطئ من يظن أن الشعب الجنوبي قد نفدت ذخيرته أو ضعفت قواه، فالبركان الذي خمد طويلا يوشك أن يقذف بحممه في وجه كل من استباح أرضه وجعل من قضيته العادلة فريسة لأطماعه وغطرسته الإقليمية، وسيقول الشعب كلمته الفاصلة بلسان مبين لا غبش فيه ولا تردد