مليونية "رفض الوصاية ومناهضة الاحتلال".. الجنوب يبعث رسالة سياسية حاسمة من عدن وحضرموت
الأحد - 21 يونيو 2026 - 12:09 ص
صوت العاصمة/ تقرير/ مريم بارحمة
شهدت العاصمة عدن ومدينتا المكلا وسيئون بمحافظة حضرموت، يوم السبت 20 يونيو 2026، حشوداً جماهيرية واسعة في إطار مليونية "رفض الوصاية ومناهضة الاحتلال" التي دعا إليها المجلس الانتقالي الجنوبي العربي، في فعالية اعتبرها مراقبون واحدة من أبرز الفعاليات السياسية والشعبية التي شهدها الجنوب خلال المرحلة الأخيرة، لما حملته من رسائل سياسية مباشرة تجاه التطورات الجارية في الملف اليمني والجنوبي على حد سواء.
وجاءت هذه المليونية في ظل ظروف سياسية وأمنية واقتصادية معقدة تشهدها الساحة الجنوبية، وفي وقت تتصاعد فيه حدة التجاذبات المرتبطة بمستقبل قضية الجنوب، ومكانة المجلس الانتقالي الجنوبي العربي باعتباره الحامل السياسي للمشروع الوطني الجنوبي بتفويض من شعب الجنوب.
_ حضور جماهيري ورسائل سياسية متعددة
اتسمت الفعاليات التي احتضنتها عدن والمكلا وسيئون بزخم جماهيري لافت، حيث رفعت الأعلام الجنوبية وصور الرئيس القائد عيدروس الزبيدي والشعارات المؤكدة على حق شعب الجنوب في تقرير مصيره واستعادة دولته، إلى جانب لافتات رافضة لسياسات الوصاية والتدخلات الخارجية في الشأن الجنوبي.
ولم تكن المليونية مجرد فعالية احتجاجية ذات طابع جماهيري، بل مثلت وفق مراقبين منصة سياسية لإعادة التأكيد على ثوابت المشروع الوطني الجنوبي، وإظهار حجم الالتفاف الشعبي حول المجلس الانتقالي الجنوبي العربي وقيادته في مواجهة التحديات السياسية الراهنة.
كما حملت الحشود رسالة واضحة مفادها أن الشارع الجنوبي ما يزال فاعلاً ومؤثراً في معادلة الصراع السياسي، وأن محاولات إعادة تشكيل المشهد الجنوبي بعيداً عن الإرادة الشعبية ستواجه برفض واسع من قبل قطاعات كبيرة من أبناء الجنوب.
_ بيان سياسي يعكس حجم الاحتقان
البيان الصادر عن المليونية جاء حاد اللهجة تجاه "مشاريع الوصاية" التي تستهدف قضية الجنوب ومؤسساته السياسية والعسكرية، وموضحاً أن هناك جهوداً منظمة لتقويض المشروع الوطني الجنوبي عبر استهداف ركائزه الأساسية المتمثلة بالمجلس الانتقالي الجنوبي العربي وقواته المسلحة وحاضنته الشعبية.
وأكد البيان أن الحملات السياسية والإعلامية التي تستهدف المجلس الانتقالي الجنوبي العربي ورئيسه الرئيس القائد عيدروس قاسم الزبيدي، تأتي في إطار محاولات إضعاف قضية شعب الجنوب والنيل من تمثيلها السياسي، مشيراً إلى أن تلك الجهود لم تحقق أهدافها، بل أسهمت في زيادة حالة الالتفاف الشعبي حول المشروع الوطني الجنوبي.
ورأى البيان أن الضغوط الاقتصادية والخدمية التي يعاني منها المواطنون في الجنوب، بما في ذلك تدهور الكهرباء والمياه والخدمات الأساسية، تُستخدم كوسائل ضغط تستهدف إرادة الشارع الجنوبي ودفعه نحو الإحباط واليأس.
_ قراءة في توقيت المليونية
تكتسب المليونية أهمية استثنائية بالنظر إلى توقيتها السياسي، إذ جاءت في مرحلة تشهد تصاعداً في الجدل حول مستقبل التسوية السياسية في اليمن، والجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى إعادة ترتيب المشهد السياسي والعسكري.
ويرى محللون أن المجلس الانتقالي الجنوبي العربي سعى من خلال هذه الفعالية إلى توجيه رسالة بأن أي تسوية مستقبلية لا يمكن أن تتجاوز الإرادة الشعبية الجنوبية أو تتجاهل مطالب شعب الجنوب، وأن محاولات فرض حلول لا تحظى بقبول الشارع الجنوبي ستواجه عقبات كبيرة على أرض الواقع.
كما تعكس المليونية، وفق متابعين، رغبة المجلس الانتقالي في تأكيد حضوره السياسي والشعبي في مواجهة محاولات إنتاج مكونات أو أطر سياسية بديلة في الجنوب، وهي قضية حظيت بحيز واسع من الخطاب السياسي خلال الأشهر الماضية.
_ حضرموت في قلب المشهد
اكتسبت مشاركة حضرموت أهمية خاصة، نظراً للمكانة السياسية والاقتصادية والاستراتيجية التي تمثلها المحافظة في المعادلة الجنوبية.
فالحشود التي شهدتها المكلا وسيئون حملت دلالات سياسية تتجاوز حدود المشاركة الجماهيرية التقليدية، إذ جاءت في وقت تتزايد فيه النقاشات حول مستقبل المحافظة ودورها في أي ترتيبات سياسية قادمة.
وتؤكد مشاركة حضرموت، وفق رؤية منظمي الفعالية، أن المحافظة جزء أصيل من المشروع الوطني الجنوبي، وأن أبناءها معنيون بصورة مباشرة بالدفاع عن حقوقهم السياسية والاقتصادية وبالمشاركة في رسم مستقبل الجنوب.
كما تعكس المشاركة الواسعة حالة التفاعل الشعبي مع المستجدات التي تشهدها المحافظة، خاصة فيما يتعلق بالثروات النفطية والموارد الاقتصادية والوجود العسكري الخارجي في بعض المناطق الحيوية.
_ انتقادات حادة للسياسات السعودية
أبرز ما تضمنه البيان كان توجيه انتقادات مباشرة للسياسات السعودية في الملف اليمني والجنوبي، حيث أوضح البيان سعي الرياض إلى فرض ترتيبات سياسية لا تنسجم مع تطلعات الجنوبيين، وبالعمل على إعادة إنتاج مشاريع سياسية تجاوزتها الأحداث والوقائع على الأرض.
واعتبر البيان أن التحولات التي شهدتها أهداف التحالف العربي خلال السنوات الماضية أدت إلى خلق حالة من التناقض بين الأهداف المعلنة والنتائج المتحققة، مشيراً إلى أن الجنوب أصبح، ساحة لتصفية الحسابات السياسية وإدارة التوازنات الإقليمية.
كما انتقد البيان التدخلات في المؤسسات السياسية والقضائية والإدارية بما يخدم أجندات معينة، معتبراً أن ذلك انعكس سلباً على مسار الاستقرار السياسي في الجنوب.
_ الدفاع عن القوات المسلحة الجنوبية
من المحاور الرئيسية التي ركز عليها البيان قضية القوات المسلحة الجنوبية، حيث اعتبرها إحدى الركائز الأساسية للمشروع الوطني الجنوبي.
وأكد البيان أن هذه القوات تتعرض لحملات استهداف سياسية وإعلامية ومالية تهدف إلى إضعافها وتقليص قدرتها على أداء مهامها الأمنية والعسكرية، مشيراً إلى أن استمرار حرمانها من الموارد والإمكانات يشكل تهديداً مباشراً للاستقرار الأمني في الجنوب.
وفي المقابل أشاد البيان بدور القوات الجنوبية في التصدي للهجمات التي تنفذها جماعة الحوثي على مختلف الجبهات الحدودية، معتبراً أن نجاحاتها الميدانية أسهمت في حماية الجنوب ومنع محاولات التمدد العسكري نحو مناطقه.
_ أبعاد إقليمية ودولية
لم يقتصر خطاب المليونية على الشأن الداخلي، بل امتد إلى توجيه رسائل للمجتمعين الإقليمي والدولي.
فقد أكد البيان أن الموقع الجغرافي الاستراتيجي للجنوب يجعله عاملاً أساسياً في أمن المنطقة والملاحة الدولية، وأن أي اختلال في استقراره ستكون له انعكاسات تتجاوز حدوده الجغرافية.
ودعا البيان المجتمع الدولي إلى إعادة النظر في آليات إدارة الملف اليمني، وإشراك مختلف الأطراف الفاعلة بصورة تضمن تحقيق السلام والاستقرار بعيداً عن سياسات الإقصاء أو الاحتكار.
كما حذر من أن تجاهل قضية الجنوب قد يؤدي إلى تعقيد المشهد السياسي والأمني، ويقوض فرص الوصول إلى تسوية شاملة ومستدامة.
_ دلالات سياسية للمشهد الجماهيري
تكشف الحشود التي شهدتها العاصمة عدن والمكلا وسيئون عن استمرار حضور قضية الجنوب في الوعي الشعبي والسياسي، رغم التحديات الاقتصادية والخدمية الصعبة التي يعيشها المواطنون.
كما تعكس قدرة المجلس الانتقالي الجنوبي العربي على الحشد والتنظيم والحفاظ على قاعدة شعبية واسعة، وهو ما يمنحه ثقلاً إضافياً في أي معادلات سياسية مستقبلية.
ومن زاوية أخرى، تؤكد المليونية أن الشارع الجنوبي ما يزال ينظر إلى قضية استعادة الدولة الجنوبية باعتبارها الهدف المركزي الذي تتفرع عنه مختلف القضايا السياسية والاقتصادية والأمنية.
وفي الوقت ذاته، تعكس الفعالية حجم التوتر القائم بين المجلس الانتقالي وبعض القوى الإقليمية والمحلية بشأن مستقبل الجنوب، وطبيعة الدور الذي ينبغي أن يلعبه في أي تسوية قادمة.
_ بين التصعيد السياسي وإعادة التموضع
تمثل مليونية "رفض الوصاية ومناهضة الاحتلال" محطة سياسية مهمة في مسار الحراك الجنوبي المعاصر، إذ جاءت لتؤكد أن المجلس الانتقالي الجنوبي العربي يسعى إلى إعادة التموضع السياسي في مواجهة المتغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة.
كما أنها تعكس انتقال الخطاب الجنوبي من مرحلة الدفاع عن المكاسب السياسية والعسكرية إلى مرحلة أكثر هجومية تقوم على توجيه انتقادات مباشرة للأطراف التي يرى أنها تعرقل تطلعات شعب الجنوب أو تحاول فرض أجندات تتعارض مع إرادته.
إن الرسالة الأساسية التي حملتها المليونية تمثلت في التأكيد على رفض أي وصاية أو تدخل خارجي في القرار الجنوبي، والتشديد على أن مستقبل الجنوب يجب أن يُصاغ بإرادة أبنائه، وأن أي حلول سياسية لا تأخذ هذه الحقيقة بعين الاعتبار ستظل بعيدة عن تحقيق الاستقرار الدائم.
وبغض النظر عن المواقف المتباينة تجاه مضامين البيان وما تضمنه من مواقف سياسية حادة، فإن المليونية شكلت حدثاً سياسياً بارزاً أعاد قضية الجنوب إلى واجهة النقاش السياسي والإعلامي، وأكد أن الجنوب ما يزال رقماً صعباً في معادلة الصراع والتسوية في المنطقة