سلام بلا شروط معلنة.. عن أي سلام يتحدثون؟
الأحد - 21 يونيو 2026 - 02:06 ص
صوت العاصمة/ بقلم / محمد علي رشيد النعماني
في ظل غياب الوضوح بشأن السلاح والشرعية والشراكة السياسية، تتزايد التساؤلات حول حقيقة عملية السلام المطروحة في اليمن.
“من يختار العار لتجنب الحرب، ينل العار والحرب معاً.” — ونستون تشرشل
في كل مرة يعود فيها الحديث عن إحياء مسار السلام في اليمن، تتصدر المشهد موجة جديدة من الاتهامات الموجهة إلى أطراف وشخصيات بعينها بزعم أنها تعرقل جهود التسوية وتضع العراقيل أمام إنهاء الحرب. ومن بين أكثر الأسماء التي تُطرح في هذا السياق “عيدروس الزُبيدي”، الذي يُصوَّر أحياناً باعتباره أحد أبرز المعترضين على المسار السياسي الجاري.
لكن اللافت في هذا الخطاب أنه يركز على البحث عن “المعرقلين” أكثر من تركيزه على توضيح طبيعة العملية السياسية نفسها. فقبل الحديث عن الجهات التي تعرقل السلام، من المنطقي أولاً معرفة ماهية هذا السلام، وما هي أسسه، وما الذي يتضمنه من التزامات وتنازلات وضمانات. إذ يصعب تقييم أي موقف سياسي من عملية ما دون معرفة مضمونها الحقيقي وأهدافها النهائية.
ومن هنا نطرح سؤالاً يبدو بسيطاً في ظاهره لكنه يحمل أبعاداً سياسية عميقة: عن أي عملية سلام يتحدثون؟
“سلام بلا تفاصيل”
منذ سنوات تتكرر التصريحات الدولية والإقليمية التي تتحدث عن فرص السلام، وخطط التسوية، وخارطة الطريق، وإجراءات بناء الثقة، والانتقال نحو الحل السياسي الشامل. غير أن معظم هذه العناوين ظلت محاطة بقدر كبير من الغموض.
الرأي العام اليمني، والقوى السياسية المختلفة، وحتى كثير من النخب المتابعة للشأن اليمني، لا تمتلك صورة واضحة عن التفاصيل الجوهرية التي تقوم عليها التسوية المقترحة. وما يتم تداوله غالباً يقتصر على عناوين عامة لا تجيب عن الأسئلة الأساسية المرتبطة بجذور الصراع ومسبباته.
فالسلام ليس مجرد وقف لإطلاق النار، كما أنه ليس مجرد تفاهمات مؤقتة لخفض التصعيد. السلام الحقيقي هو اتفاق يعالج أسباب الحرب ويضع أسساً مستقرة للمستقبل. ولذلك فإن أي حديث عن نجاح أو فشل عملية السلام يبقى ناقصاً ما لم تتضح معالم المشروع السياسي الذي يُراد فرضه أو التوافق عليه.
“السؤال الأول: ماذا عن القرارات الدولية؟”
منذ اندلاع الأزمة اليمنية صدرت سلسلة من القرارات الأممية التي شكلت المرجعية الأساسية للمجتمع الدولي في التعامل مع الصراع. وتضمنت هذه القرارات مطالب واضحة تتعلق بإنهاء الانقلاب، واحترام مؤسسات الدولة، والالتزام بالمسار السياسي وفق المرجعيات المعترف بها دولياً.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم هو: هل حدث تغيير جوهري في موقف جماعة الحوثي تجاه هذه القرارات؟
لا توجد مؤشرات معلنة تفيد بأن الجماعة أعلنت قبولاً كاملاً بهذه المرجعيات أو التزمت بتنفيذها كما هي. بل إن النقاشات السياسية المتداولة خلال السنوات الأخيرة بدت أقرب إلى البحث عن صيغ جديدة تتجاوز بعض الأسس التي قامت عليها القرارات السابقة، أو تعيد تفسيرها بما يتناسب مع موازين القوى القائمة على الأرض.
وهنا تظهر معضلة سياسية مهمة. فإذا كانت التسوية الجديدة لا تستند إلى المرجعيات الدولية التي ظل المجتمع الدولي نفسه يتمسك بها لسنوات، فمن حق الأطراف السياسية المختلفة أن تتساءل عن طبيعة المرجعية البديلة، وعن الضمانات التي ستمنع إنتاج الأزمة بصورة جديدة.
“السؤال الثاني: ماذا عن السلاح؟”
في جميع تجارب الصراعات الأهلية تقريباً، يمثل ملف السلاح أحد أهم معايير نجاح أي عملية سلام.
فالدولة الحديثة تقوم على مبدأ احتكار استخدام القوة عبر المؤسسات الرسمية، بينما تؤدي ازدواجية السلاح إلى خلق مراكز نفوذ متنافسة تجعل أي اتفاق سياسي هشاً وقابلاً للانهيار عند أول أزمة.
ولهذا السبب يٌطرح سؤال جوهري في الحالة اليمنية: هل أبدت جماعة الحوثي استعداداً فعلياً للتخلي عن ترسانتها العسكرية وتسليم السلاح للدولة ضمن إطار زمني واضح وآليات قابلة للتنفيذ والرقابة؟
حتى الآن لا يبدو أن هناك إجابات واضحة ومعلنة للرأي العام حول هذه القضية. وفي ظل غياب هذه الإجابات، يصبح من الصعب الحديث عن سلام مستدام، لأن بقاء السلاح خارج إطار الدولة يعني عملياً استمرار عناصر القوة التي أنتجت الصراع من الأساس.
كما أن أي تسوية لا تتعامل بجدية مع هذه المسألة ستواجه تحديات كبيرة مستقبلاً، خصوصاً في ظل التعقيدات القبلية والجغرافية والسياسية التي تميز المشهد اليمني.
“السؤال الثالث: هل هناك قبول حقيقي بالشراكة السياسية؟”
ربما يكون هذا السؤال هو الأكثر أهمية على المدى البعيد.
فالأزمة اليمنية ليست مجرد نزاع عسكري، بل هي أيضاً صراع حول طبيعة السلطة وشكل الدولة وآليات توزيع النفوذ. ومن هنا فإن نجاح أي عملية سلام يتطلب وجود قناعة حقيقية بمبدأ الشراكة السياسية والتعددية وقبول الآخر.
لكن هل توجد مؤشرات واضحة على أن الحوثيين قبلوا التحول إلى مكون سياسي مدني يعمل ضمن نظام تعددي تتنافس فيه القوى المختلفة عبر المؤسسات والانتخابات والقوانين؟
هذا السؤال يكتسب أهمية خاصة لأن جوهر العملية السياسية في أي دولة لا يتمثل في تقاسم السلطة فقط، وإنما في قبول قواعد اللعبة السياسية نفسها. فالتعددية تعني الاعتراف بحق الآخرين في المنافسة والوصول إلى السلطة، كما تعني إمكانية تداولها سلمياً.
أما إذا كانت التسوية المقترحة تمنح شرعية سياسية دون وجود التزام واضح بمبادئ التعددية والشراكة، فإنها قد تؤدي إلى تجميد الأزمة مؤقتاً لكنها لن تنهيها بصورة نهائية.
“لماذا يزداد الجدل حول موقف الزُبيدي؟”
في ظل هذه الأسئلة المفتوحة، يبدو الجدل الدائر حول موقف عيدروس الزُبيدي جزءاً من نقاش أوسع يتعلق بطبيعة التسوية نفسها.
فالاعتراض على أي مشروع سياسي لا يُقاس فقط بموقف الشخص أو الجهة المعترضة، وإنما أيضاً بمضمون المشروع محل الاعتراض. وعندما تكون تفاصيل التسوية غير واضحة، يصبح من الصعب الحكم على مواقف المؤيدين أو الرافضين لها.
كما أن المشهد اليمني بطبيعته يتسم بتعدد القضايا المتداخلة. فهناك قضية الحرب مع الحوثيين، وهناك قضية شكل الدولة المستقبلية، وهناك أيضاً قضايا سياسية ووطنية أخرى ترتبط بمطالب ومواقف قوى مختلفة على امتداد الجغرافيا اليمنية.
ولهذا فإن اختزال النقاش في اتهام طرف بعينه بعرقلة السلام قد يؤدي إلى تبسيط مفرط لمشكلة أكثر تعقيداً، تتعلق أساساً بغياب الوضوح حول مضمون التسوية وشروطها وآفاقها.
“السلام الحقيقي يحتاج إلى شفافية”
التجارب الدولية تثبت أن الاتفاقات السياسية الأكثر استدامة هي تلك التي تُبنى على قدر عالٍ من الوضوح والشفافية.
فعندما تعرف الأطراف المختلفة ما الذي سيتم الاتفاق عليه، وما هي الالتزامات المتبادلة، وما هي الضمانات وآليات التنفيذ، يصبح النقاش أكثر موضوعية، وتصبح المواقف السياسية أكثر قابلية للفهم والتقييم.
أما عندما تبقى التفاصيل محصورة في دوائر ضيقة، بينما يُطلب من الجميع دعم عملية سياسية لا يعرفون ملامحها، فإن الشكوك تزداد، وتتوسع مساحة التأويلات والاتهامات المتبادلة.
وفي الحالة اليمنية تحديداً، يبدو أن الحاجة إلى الشفافية أصبحت أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، لأن المجتمع اليمني دفع ثمناً باهظاً خلال سنوات الحرب، ومن حقه أن يعرف طبيعة التسوية التي يُراد تقديمها باعتبارها بوابة للخروج من الأزمة.
“خاتمة”
لا يمكن لأي عاقل أن يعارض السلام بوصفه هدفاً إنسانياً وسياسياً ضرورياً لإنهاء معاناة اليمنيين. لكن السلام الحقيقي ليس شعاراً مجرداً، ولا عنواناً فضفاضاً يمكن استخدامه في السجالات السياسية والإعلامية دون توضيح مضمونه.
قبل البحث عن معرقلي السلام، ينبغي أولاً الإجابة عن الأسئلة الأساسية التي لا تزال معلقة: هل تم الالتزام بالقرارات الدولية؟ هل توجد آلية واضحة لنزع السلاح؟ هل هناك قبول فعلي بالتعددية والشراكة السياسية؟ وما هي الضمانات التي تكفل عدم العودة إلى دائرة الصراع؟
إلى أن تتوافر إجابات واضحة وشفافة عن هذه القضايا الجوهرية، سيبقى السؤال الأكثر حضوراً في المشهد اليمني مشروعاً ومبرراً: عن أي عملية سلام يتحدثون؟