سلام برائحة البارود
الإثنين - 22 يونيو 2026 - 12:33 ص
صوت العاصمة/ كتب / م. جمال الردفاني :
عشر سنوات كاملة والحرب تأكل عمرنا ونحن في الخندق الأول، نقاتل عدواً واحداً ونحمل هماً واحداً. عشر سنوات والجنوب يقدم الشهداء دفاعاً عن مكة قبل عدن، وعن الرياض قبل حضرموت. عشر سنوات ونحن الصخرة التي تحطمت عليها أحلام التمدد الفارسي، ونحن النصر الوحيد الصادق الذي تفتخر به دول التحالف في هذه الحرب. فماذا كان المقابل؟
منذ ديسمبر 2025 تغيرت المعادلة. صارت الرياض تبحث عن سلام مع الحوثي، وهذا حقها. لكن السلام الذي تريده اليوم ليس سلام الند للند، بل سلام تفرضه الطائرات وتدعمه الضغوط، سلام ثمنه يدفع من لحم الجنوب ودمه. إجراءات بناء الثقة مع الحوثي صارت عصا غليظة تلوح في وجه الشريك الذي لم يخن ولم يتراجع يوماً.
لا نخدع أنفسنا ما يجري جنوباً اليوم ليس سلاماً، بل استسلام مفروض بقوة. الجنوب يتحول إلى قربان، إلى ورقة توضع على طاولة التفاوض لاستعطاف الحوثي واسترضائه. كل تنازل تقدمه المملكة لتأمين حدودها الشمالية، يدفع ثمنه الجنوب من أرضه ومن قراره ومن دماء شهدائه. كأننا نحن من خسرنا، وكأننا نحن من يجب أن نكسر حتى يرضى الخصم.
نقولها بكل وضوح: نحن لا نرفض السلام. نحن أبناء الكرامة ونعرف قيمة الأمن. لكننا نرفض سلام الذل، ونرفض سلام الإملاء، ونرفض أن نشم رائحة البارود ونحن نوقع على دفن تضحياتنا بأيدينا. البارود الذي حرر عدن ودحر الغزاة من باب المندب إلى حدود نجران، هو نفسه الذي سيحمي كرامتنا إذا حاول أحد سلبها.
الجنوب ليس عقبة في طريق السلام، الجنوب هو صمام أمانه. ومن يظن أن كسر الجنوب سيجلب الأمن للرياض فهو واهم. أمن السعودية لا يكتمل إلا بجنوب قوي حر يملك قراره، لا بجنوب مكسور يقدم قرباناً كلما اشتدت المفاوضات.
يا أبناء الجنوب، شدوا الهمم وارفعوا الرؤوس. البندقية التي دافعت عن الدين والأرض والعرض بالأمس، هي نفسها التي ستصون كرامتنا اليوم. لن نقبل بسلام يرسمه غيرنا، ولن نقبل بوطن يوزع على موائد الغرباء. نريد سلاماً برائحة البارود، نعم، لكن بارود العزة لا بارود الانكسار. بارود الحارس الذي يسهر حتى تنام الأمهات قريرات العين، لا بارود الجلاد الذي يكسر إرادة الأحرار.
حفظ الله الجنوب أرضاً وإنساناً، وحفظ رجاله الصادقين. واعلموا أن التاريخ لا يرحم، وأن دماء الشهداء أمانة، وأننا لن نكون وقوداً لمفاوضات ترضي عدونا وتذلنا. إما سلام الكرامة، وإما فسنعرف كيف نصنع سلامنا بأيدينا، كما صنعناه بالبارود من قبل.
عاش الجنوب حراً أبياً، وعاشت تضحيات رجاله التي لا تباع ولا تشترى