مخلفات الـ.ـحرب تقـ.ـتل من جديد .. ودماء الطفولة الطاهرة تروي وجع الضالع
الثلاثاء - 23 يونيو 2026 - 12:11 ص
صوت العاصمة/ تقرير /محمد خالد الحسيني
حين لعب الأطفال مع الموت، دافعين فاتورة حرب لم تنتهِ .. في ليلةٍ ثقيلةٍ على القلوب، حالكة بالحزن والألم والسواد، هبطت المأساة دفعة واحدة على محافظة الضالع، فاجعة هائلة سقطت فوق صدور الناس جميعًا.
خبرٌ موجعٌ كاد أن يُصَدّع الجبال، ويهزّ الضمير الإنساني قبل أن يهزّ أرجاء المحافظة، بعدما تحولت لحظات براءة أطفال صغار إلى مشهد دامٍ تختلط فيه الدموع بالدماء.
كانوا أطفالًا بعمر الورود، براعم صغيرة لم تعرف من الحياة سوى اللعب والضحكات البريئة، خرجوا يركضون خلف طفولتهم كما يفعل كل الأطفال، غير مدركين أن الموت كان يختبئ لهم في مكان قريب، متربصًا بأحلامهم الصغيرة.
لم يعلموا أنهم كانوا يلعبون مع الموت، لم يعرفوا أن ذلك المقذوف الصامت، الذي خلفته سنوات الحرب، يحمل في داخله نهاية مأساوية لا تعرف الرحمة ولا تميز بين طفل ومقاتل، بين حلم بريء ومشهد حرب.
لحظة واحدة كانت كافية لتتحول ضحكاتهم إلى صرخات، ولتتحول ساحة اللعب إلى ساحة فاجعة تبكي لها القلوب قبل العيون.
في قرية الريبي شمال منطقة حجر بمحافظة الضالع، انفجر جسم متفجر من مخلفات الحرب بين مجموعة من الأطفال، مخلفًا واحدة من أبشع الكوارث الإنسانية التي شهدتها المحافظة خلال السنوات الأخيرة.
ووفق المعلومات الأولية، فقد سقط أكثر من خمسة عشر طفلًا بين شهيد وجريح، بينهم أربعة شهداء ارتقوا على الفور، فيما نُقل المصابون إلى المستشفى الميداني وسط جهود محمومة لإنقاذ حياتهم.
مشهد المستشفى كان مؤلمًا إلى حد لا تصفه الكلمات، أُسَرٌ مفجوعة تبحث عن أبنائها، وأمهات يرفعن أكف الضراعة والدموع تنهمر من أعينهن، وآباء يقفون عاجزين أمام مصاب يفوق قدرة البشر على الاحتمال.
أطفال كانوا قبل دقائق يملؤون المكان حياةً وحركةً، فإذا بهم ضحايا جديدة لحرب لم تنتهِ آثارها رغم مرور السنوات.
هذه الفاجعة ليست مجرد حادث عابر، بل جرس إنذار مدوٍّ يدعو الجميع إلى إعادة ترتيب الأولويات، والتعامل الجاد مع خطر مخلفات الحرب التي ما تزال تحصد الأرواح بصمت.
فالألغام والمقذوفات غير المنفجرة لا تزال كامنة في الأرض، تنتظر ضحاياها من الأبرياء، وتواصل صناعة المآسي حتى بعد توقف أصوات المدافع.
وفي أعقاب الحادثة، وجّه محافظ محافظة الضالع اللواء الركن أحمد قائد القبة، نداءً عاجلاً، برفع درجة الاستنفار الطبي وتسخير كافة الإمكانات المتاحة لإنقاذ المصابين وتقديم الرعاية العاجلة لهم، كما دعا المواطنين إلى التوجه للمستشفى والتبرع بالدم في موقف إنساني يعكس حجم المسؤولية والتضامن مع الضحايا.
وسرعان ما لبّى المواطنون النداء، فتوافدوا إلى المستشفى في مشهد إنساني مؤثر، اختلطت فيه مشاعر الحزن بروح التكافل، وكأن أبناء الضالع جميعًا أصبحوا أسرة واحدة تتقاسم الوجع ذاته.
لكن هذه الدماء الطاهرة تطرح سؤالًا مؤلمًا: إلى متى سيظل الأطفال يدفعون ثمن الحروب؟ وإلى متى ستبقى مخلفات الصراعات تحصد أرواح الأبرياء بعد سنوات من انتهاء المعارك؟ إن هذه المأساة تؤكد الحاجة الملحة إلى تكثيف برامج التوعية المجتمعية بمخاطر الألغام والمقذوفات غير المنفجرة، خاصة في أوساط الأطفال، كما تستوجب مضاعفة جهود الجهات المختصة والمنظمات المعنية بنزع الألغام والتخلص من مخلفات الحرب التي ما تزال تهدد حياة المدنيين كل يوم.
اليوم لا تبكي قرية الريبي وحدها، ولا محافظة الضالع وحدها، بل يبكي اليمن كله، الوطن كله يبكي وجوه الأطفال التي غابت مبكرًا، والأحلام الصغيرة التي انطفأت قبل أن تكبر، والبراءة التي سقطت ضحية حرب لا تزال تترك خلفها الموت حتى بعد أن يخفت صوتها.
رحم الله الشهداء الأطفال رحمة واسعة، وألهم أسرهم الصبر والسلوان، ومنّ على الجرحى بالشفاء العاجل.
وستبقى هذه الفاجعة جرحًا غائرًا في ذاكرة الضالع واليمن، وشاهدًا مؤلمًا على أن الحروب لا تَقتل في ساحات القتال فقط، بل تواصل قتل الأبرياء حتى بعد أن تضع أوزارها