تثبيت الـ.ـنار أم "تفخيـ.ـخ"؟.. شروط كاتس تضع مفاوضات لبنان على شفا الانهيار
الثلاثاء - 23 يونيو 2026 - 12:36 ص
صوت العاصمة/ إرم نيوز
دخلت الترتيبات الدبلوماسية الرامية إلى تثبيت وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل مرحلةً حادة من التعثر، إثر تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس الرافضة لأي انسحاب من المواقع التي يسيطر عليها الجيش جنوبي لبنان، وتمسكه بما يسميه "المنطقة الأمنية".
وأعادت تصريحات كاتس، التي جاءت في توقيت بالغ الحساسية، خلط أوراق المشهد بالكامل، ووضعت الهدنة الهشة بين البلدين على حافة الانهيار، لا سيما أنها تسبق بأيام قليلة جولة المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية المباشرة المرتقبة في واشنطن بين 23 و25 يونيو الجاري.
وعلى الجانب اللبناني، قوبلت التصريحات بموجة رفض عارمة على المستويين السياسي والعسكري، فيما أكدت مصادر لبنانية رفيعة المستوى لـ"إرم نيوز"، أن ما يسعى الجانب الإسرائيلي إلى فرضه كأمر واقع ليس سوى مسعى لشرعنة احتلال مقنّع لقرى الجنوب وبلداته، وهو ما لا تقبله الدولة اللبنانية ولا القوى الميدانية تحت أي ظرف.
وأضافت المصادر اللبنانية، أن استخدام إسرائيل لمصطلح المنطقة الأمنية يعيد الذاكرة الجماعية إلى حقبة الشريط الحدودي المحتل قبل عام 2000، ما يمثل طعنة مباشرة للسيادة الوطنية اللبنانية والقرارات الدولية ذات الصلة.
وتابعت المصادر ذاتها أن لبنان ذاهب إلى جولة مفاوضات واشنطن متمسكاً بالثوابت الوطنية، وعلى رأسها الانسحاب الإسرائيلي الكامل وغير المشروط من كافة الأراضي اللبنانية، وإن أي محاولة لإبقاء قوات الاحتلال في مراكزها الحالية ستحول هذه المفاوضات إلى طريق مسدود مسبقاً، وستتحمل تل أبيب وحدها مسؤولية انهيار المسار الدبلوماسي.
وأشارت المصادر أيضاً إلى أن إصرار كاتس على منح جيشه حرية الحركة دون قيود يهدف بالدرجة الأولى إلى تجريد الجيش اللبناني وقوات الطوارئ الدولية اليونيفيل من صلاحياتهما، وإفراغ لجان المراقبة الدولية من مضمونها التنفيذي، وتحويلها إلى مجرد شاهد عيان على الخروقات الإسرائيلية المستمرة.
وفي كواليس التحضيرات لجولة واشنطن التفاوضية، تتحرك الإدارة الأمريكية بناءً على هندسة دقيقة تسعى للفصل بين مسارين أساسيين لمحاصرة الأزمة، حيث يركز المسار الأول على الجانب الدبلوماسي والسياسي المعني بتثبيت الخط الأزرق ومناقشة آليات السيادة ووضع أطر واضحة للتعامل مع الخروقات الحدودية من كلا الجانبين.
أما المسار الثاني فيبدو عسكرياً ولوجستياً بامتياز، ويقوم على مقترح أمريكي يقضي بإنشاء مناطق انسحاب تجريبية، بحيث تبدأ القوات الإسرائيلية بانسحاب تدريجي ومجدول من قطاعات معينة، على أن يتسلم الجيش اللبناني هذه النقاط فوراً لضمان عدم وجود أي مظاهر مسلحة غير رسمية جنوب نهر الليطاني.
إلا أن التصريحات الصادرة من تل أبيب جاءت لتعصف بهذا المسار العسكري التجريبي قبل أن يبدأ، فرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه يسعيان، بحسب تقارير دبلوماسية متقاطعة، إلى تفكيك الرؤية الأمريكية وإعادة صياغتها بما يخدم حسابات سياسية داخلية إسرائيلية.
ويهدف هذا التشدد إلى رفع سقف المطالب إلى حده الأقصى، واشتراط نزع السلاح الكامل والشامل في منطقة جنوب الليطاني، ووضع ترتيبات أمنية خاصة لصالح مستوطني الشمال كشرط مسبق لأي خطوة انسحاب مستقبلي.
وعلى الصعيد الميداني، يرى المحلل السياسي لطيف أبو السبع، أن استراتيجية التفاوض تحت النار التي تتبعها إسرائيل، ومواصلة عملياتها العسكرية بذريعة الرد على التهديدات، لن تظل بلا ثمن ميداني وسياسي.
وأكد في تصريح لـ"إرم نيوز" أن المعادلة الميدانية في الجنوب اللبناني تقوم تاريخياً على الرد بالمثل، مما يعني أن أي تحرك أو قصف إسرائيلي سيُجابه بعمليات مضادة من الجانب اللبناني لحماية القرى والبلدات.
وأوضح، أن هذا الواقع الميداني المتفجر يحوّل وقف إطلاق النار الحالي من تهدئة مستدامة إلى مجرد هدنة هشّة أو استراحة محارب مؤقتة، فغياب جدول زمني واضح ومُلزم للانسحاب الإسرائيلي يبقي فتيل الحرب مشتعلاً، ويزيد من احتمالية انزلاق الأوضاع إلى مواجهة شاملة وجديدة عند أي خطأ في الحسابات أو خرق أمني واسع النطاق.
وأمام هذا الانسداد الدبلوماسي والتصعيد الميداني، تترقب الأوساط السياسية ما ستسفر عنه جولة مفاوضات واشنطن، والتي باتت تقف أمام خيارين حاسمين، حيث يكمن الخيار الأول في نجاح مشروط يرتبط بمدى قدرة واشنطن على ممارسة ضغوط حقيقية على حكومة نتنياهو للقبول بآلية الانسحاب التدريجي المجَدول ضمن خطة المناطق التجريبية، مع إعطاء ضمانات أمنية متبادلة يلتزم بها الطرفان تحت إشراف دولي صارم يقوده الجيش اللبناني.
وفي المقابل، يبدو الخيار الثاني والأكثر ترجيحاً في ظل الظروف الراهنة هو الانهيار والعودة الكاملة إلى المربع الأول، ويتجسد هذا السيناريو في حال تمسكت إسرائيل بشروط كاتس برفض الانسحاب والتمسك بالمنطقة الأمنية، مما سيدفع الوفد اللبناني المفاوض إلى رفض التوقيع أو تقديم أي تنازلات تمس السيادة، الأمر الذي سيعلن رسمياً فشل الجهود الأمريكية، ويمهّد الطريق لعودة الآلة العسكرية من الطرفين إلى صدام مفتوح قد يفوق في ضراوته وجغرافيته كل ما سبقه.
وبين أروقة الدبلوماسية في واشنطن وتخوم البلدات الحدودية في جنوب لبنان، تبقى الأيام القليلة القادمة هي الحكم الحاسم في تحديد مصير المنطقة، فإما صياغة سلام حدودي مؤقت ومستدام، أو الانفجار الكبير