الصحفي الذي زاره الوزير بعد وفاته
الثلاثاء - 23 يونيو 2026 - 12:37 ص
صوت العاصمة/ بقلم/ علي سيقلي
في بلادنا، لا يحتاج الصحفي إلى راتب يحفظ كرامته، ولا إلى تأمين صحي يداوي وجعه، ولا إلى مسؤول يطرق بابه حين يشتد عليه المرض. كل ما يحتاجه هو أن يموت في الوقت المناسب.
فالموت هنا هو اللحظة التي يبدأ فيها الاعتراف الرسمي بالإنسان.
طوال سنوات كان الصحفي يقاتل وحيداً في مهنة تأكل أعمار أصحابها. يركض خلف الخبر، يكتب عن معاناة الناس، ويفتح نوافذ الضوء في وطن يزداد ظلاماً يوماً بعد يوم. وحين ضاقت به الدنيا، وأثقل المرض جسده، وأصبح أسير الفاقة والعوز، لم يجد من الوزارة سوى الصمت.
صمت طويل بحجم المعاناة.
لم يزره أحد ليسأل عن حاله. لم يتفقده مسؤول ليعرف إن كان يحتاج دواءً أو عملية أو حتى كلمة مواساة. وكأن الاقتراب منه كان سيورطهم في الاعتراف بمسؤولية أخلاقية تجاهه.
ربما كان الأسهل أن يظل بعيداً عن الأنظار.
فزيارة صحفي مريض قد تفتح باب الأسئلة المحرجة: لماذا وصل إلى هذا الحال؟ أين ذهبت الوعود؟ وأين المؤسسات التي تتغنى برعاية الصحفيين؟ وأين المسؤولون الذين لا يظهرون إلا في الصور التذكارية والمؤتمرات الاحتفالية؟
لهذا كان الانتظار أكثر راحة.
انتظار اللحظة التي يتحول فيها الصحفي من إنسان يحتاج المساعدة إلى خبر عاجل يحتاج التعزية.
وفجأة، وبعد أن أسدل الموت ستاره الأخير، استيقظت مشاعر المسؤولين دفعة واحدة. خرجت بيانات النعي من الأدراج، وتحولت الصفحات الرسمية إلى سرادقات عزاء إلكترونية، وانهالت الكلمات المنمقة التي تتحدث عن مناقب الفقيد وإسهاماته الوطنية ودوره المهني الكبير.
وكأن الرجل لم يكن بالأمس يستجدي العلاج.
وكأن المرض الذي أنهكه لم يكن مرئياً.
وكأن الفقر الذي حاصره لم يكن موجوداً.
في بلادنا المحترمة، لا نعرف قيمة الصحفي وهو حي. نكتشف أهميته فقط عندما يصبح اسماً مسبوقاً بكلمة “الراحل”. عندها تتسابق المؤسسات إلى تقديم التعازي، لا تكريماً للميت بقدر ما هي محاولة متأخرة لغسل الأيدي من مسؤولية تركه يواجه مصيره وحيداً.
فالتعزية هنا لم تعد مجرد مواساة لأهله وأصدقائه، بل أصبحت أحياناً شهادة براءة جماعية.
دمعتان في بيان رسمي، وباقة ورد على قبر المرحوم، وكلمات رنانة عن الوفاء والعطاء، ثم يعود الجميع إلى أعمالهم وكأن شيئاً لم يكن.
أما السؤال الحقيقي فيظل معلقاً في الهواء:
ما قيمة النعي إذا جاء بعد أن عجز صاحبه عن شراء الدواء؟
وما جدوى الورود إذا وصلت بعد أن أغلقت الحياة أبوابها؟
وما معنى الوفاء لمن لم يجد من يمد له يد العون وهو يصارع المرض والفقر معاً؟
الصحفي لا يحتاج إلى وزير يبكيه بعد موته.
كان فقط يحتاج إلى إنسان يزوره قبل أن يموت