ارادة الجنوب بين التمثيل والاستثمار السياسي
الثلاثاء - 23 يونيو 2026 - 12:53 ص
صوت العاصمة/ كتب : محمد محسن الهدالي
في اللحظات المفصلية من تاريخ الشعوب، لا يكون التحدي الحقيقي في إدارة السلطة بقدر ما يكون في القدرة على فهم نبض الشارع والإنصات لتطلعات الناس.
واليوم، يقف الجنوب أمام مرحلة حساسة تتطلب من القوى التي تمسك بزمام الأمور أن تضع إرادة المواطنين في صدارة أولوياتها، بعيدًا عن الحسابات الضيقة أو رهانات اللحظة السياسية.
إن الحشود التي تتشكل في الساحات والميادين ليست مجرد أرقام أو مشاهد عابرة، بل تعبير حي عن مطالب وتطلعات تراكمت عبر سنوات طويلة.
ومن الخطأ النظر إليها باعتبارها أوراقًا يمكن توظيفها أو استثمارها سياسيًا، لأن التجارب أثبتت أن الشعوب التي تمتلك قضية حقيقية سرعان ما تميز بين من يمثل تطلعاتها ومن يسعى إلى توظيفها لخدمة مصالحه الخاصة.
لقد أثبت تاريخ الجنوب أن إرادة الناس عصية على الاحتواء أو الإلغاء.
فخلال العقود الماضية، واجه المواطنون أشكالًا مختلفة من الضغوط والتحديات، ومع ذلك ظلوا متمسكين بقناعاتهم وتطلعاتهم.
تغيرت موازين القوى، وتعاقبت السلطات، وتبدلت التحالفات، لكن بقيت المطالب الشعبية حاضرة في الوعي الجمعي، باعتبارها جزءًا من قضية أوسع تتعلق بالهوية والحقوق والمستقبل.
ومن هنا، فإن المسؤولية السياسية والأخلاقية تقتضي من القيادات الحالية أن تتعامل مع هذه المطالب بجدية وشفافية، وأن تفتح قنوات حقيقية للحوار مع المجتمع، قبل أن تجد أطراف أخرى فرصة لاستغلال حالة التذمر أو توظيف الحقوق المشروعة لتحقيق أهداف لا تنسجم مع مصالح الناس وتطلعاتهم.
إن الشعوب لا تتحرك عبثًا، ولا تتمسك بقضاياها لعقود من الزمن دون أسباب عميقة.
وعندما تستمر المطالب في الحضور رغم تغير الظروف، فإن ذلك يعكس وجود قناعة راسخة لدى قطاع واسع من المجتمع بأن هذه المطالب تمثل جزءًا من حقوقه المشروعة ورؤيته لمستقبله.
التاريخ يقدم دروسًا واضحة في هذا السياق؛ فالقوى التي اختارت الإصغاء لشعوبها استطاعت أن تحافظ على استقرارها وتماسكها، بينما دفعت تلك التي وقفت في مواجهة الإرادة الشعبية أثمانًا سياسية باهظة.
لذلك، فإن الحكمة تقتضي أن تكون العلاقة بين السلطة والمجتمع قائمة على الشراكة والاستماع المتبادل، لا على التنافس أو التصادم.
وفي النهاية، قد تتأخر الشعوب في الوصول إلى أهدافها، وقد تواجه عقبات وتحديات عديدة، لكنها نادرًا ما تتخلى عن القضايا التي تؤمن بها.
ولهذا تبقى المسؤولية اليوم في أن يُستمع إلى صوت الناس بصدق، وأن تُمنح تطلعاتهم المساحة التي تستحقها ضمن أي مشروع سياسي يسعى إلى صناعة مستقبل مستقر وعادل للجميع