محمد .. الصوت والصورة والإحساس
الخميس - 25 يونيو 2026 - 03:30 ص
صوت العاصمة/ بقلم / المتوجع /جمال حيدره
نادرا ما تجد صحفيا يؤمن بالإعلام كرسالة، في ظل واقع صحفي يتسم بالسخف، بل أن معظم من يقدمون انفسهم للمجتمع المحلي والخارجي على أنهم صحفيون معظمهم جهلة ولا يدركون جوهر الصحافة كمهنة للمتاعب على درب طويل من المخاطر.
وعلى سبيل الاستشهاد نستشهد بشهداء آمنوا بالإعلام كرسالة، واخلصوا في عملهم لوجه الحقيقة، وكانوا أكثر ادراكا بالمخاطر التي تحيط بهما من كل جانب، ومع ذلك لم تنطفئ عدسات كاميراتهم إلا بعد أن انطفأت أرواحهم بالرصاص تارة والعبوات الناسفة تارة أخرى.
منهم الشهيد نبيل القعيطي رحمه الله والشهيد محمد عيضة رحمه الله والذي استشهد اليوم في مدينة المكلا إثر عبوة ناسفة زرعت في سيارته.
زاملت محمدا في بداية مسيرته التلفزيونية في قناة السعيدة، المدرسة التي أسستنا على مداميك أخلاقيات العمل الصحفي، كان محمد مصورا نبيها وذا احساس عالٍ، وحينما يقف خلف الكاميرا لم يكن يلتقط صورة أو مشهد، بل كان ينفذ إلى ما لا يمكن رؤيته في لقطة عامة، وهي التفاصيل الصغيرة في عمق المشهد ذاته، كما لم تكن عيناه تقف عند محيط الأحداث، بل تعبر إلى مشاعر الحزن والوجع والانكسار والخوف، الفرح، الفخر، النصر، الرضا والقناعة، وكان رحمه الله يجسد كل ذلك بحس صحفي وإنساني رفيع.
وبعد سنوات من العمل خلف الكاميرا انتقل إلى العمل الصحفي كمحرر ومراسل ميداني شجاع، ووقف أمام كاميرا مضبوطة على احساسه لذلك كانت تعرفه حق المعرفة، وتفهم زواياه وابعاده ولقطاته وإضاءته، وانتقل معها في أكثر من محافظة لنقل الأحداث صوتا وصورة واحساسا، ونادرا أيضا أن تجد من ينقل للناس الاحساس.
نقول ذلك اليوم ونحن نحس بوجع عارم إزاء فقدنا زميلا مبدعا وصديقا وفيا وشجاعا، وأخا عزيزا، وتتقاذف أرواحنا الذكريات في بحار الفقد المبكر، وخسارتنا كبيرة في رحيل صحفي اجتهد وثابر في عمله وأخلص لرسالته، وقدم روحه في سبيل وطنه، صحفي بسيط ومتواضع وهادئ، وبنى نفسه حجرا حجرا دون الاستقواء بحزب أو جماعة أو منطقة، وليس للمناطقية في قلبه مكان، حيث تعايشنا معه سنوات طويلة، ولم نر فيه أي نعرات جاهلية تجاه لون أو مذهب أو عرق.
رحمك الله صديقنا محمد والصبر والسلوان لكافة أهلك وذويك، والمسامحة يا صديقي الشهم على عجزنا وعدم قدرتنا على اقتلاع عيون من اغتالوك غدرا.
ولعنات الله والناس اجمعين على هذه الجماعات الإرهابية اللعينة.