“رشاد العليمي والأربعون حرامي” “حين تتفوق الحكايات الشعبية على الواقع السياسي”
الإثنين - 06 يوليو 2026 - 02:14 ص
صوت العاصمة/ بقلم / محمد علي رشيد النعماني
كان الناس يظنون أن قصة “علي بابا والأربعين حرامي” مجرد حكاية للتسلية، حتى جاءت السياسة اليمنية لتقترح نسخة أكثر حداثة ، لا مغارة فيها، ولا كلمة سر، بل فنادق فاخرة، وبيانات مطولة، واجتماعات لا تنتهي، وخزينة لا يعرف أحد كيف تُفتح، ولا من أغلقها، ولا أين تبخر ما كان فيها.
في الحكاية القديمة كان اللصوص يدخلون المغارة بعبارة واحدة: “افتح يا سمسم”. أما في النسخة السياسية اليمنية، فيبدو أن العبارة أصبحت: “افتح يا مانح”. وما إن تُفتح الأبواب حتى تتدفق المنح والودائع والمساعدات، ثم تختفي بالسرعة نفسها التي تختفي بها الكهرباء والمياه ورواتب الناس.
المفارقة أن “الشرعية” التي جاءت لاستعادة الدولة، انتهى بها الأمر إلى البحث عن مقر دائم لاجتماعاتها أكثر مما تبحث عن مقر دائم داخل الوطن. حتى صار المواطن يحفظ أسماء الفنادق التي تستضيف المسؤولين أكثر مما يحفظ أسماء الوزراء أنفسهم. إنها حكومة تتقن فن التنقل، إلا في الاتجاه المؤدي إلى المواطن .
ورشاد العليمي، بصفته رئيس مجلس القيادة الرئاسي، يقف في قلب هذه الصورة المعقدة. فهو يرأس مؤسسة يُفترض أنها تقود معركة استعادة الدولة، لكنها تبدو، في نظر كثير من اليمنيين، منشغلة بإدارة الأزمة أكثر من إنهائها. فالسنوات تمضي، والحوثيون يرسخون سلطتهم في مناطق سيطرتهم، بينما تتآكل مؤسسات المعسكر المقابل بفعل الانقسامات والصراعات وسوء الإدارة. وهذه وقائع يصعب إنكار أن آثارها انعكست على حياة المواطنين.
السياسة أحياناً تشبه المسرح. لكن المسرح الجيد ينتهي بإسدال الستار، أما في اليمن فالعرض مستمر منذ سنوات، والجمهور لم يعد يصفق، بل يدفع ثمن التذكرة كل يوم من لقمة عيشه، ومن ساعات انقطاع الكهرباء، ومن غلاء المعيشة ،ومن انهيار العملة، ومن انتظار لا يبدو أن له نهاية.
العجيب أن الجميع يتحدث باسم الشعب، لكن الشعب نفسه غائب عن الطاولة. الجميع يدّعي الدفاع عن الدولة، بينما الدولة تتناقص مساحتها في الواقع الإداري والخدمي. الجميع يتحدث عن المعركة الكبرى، فيما يخسر المواطن معركته الصغيرة مع رغيف الخبز وقالب الثلج وسعر الدواء.
ولو كانت المناصب تُقاس بالنتائج، لكان السؤال الأول: ماذا تحقق؟ لا كم اجتماعاً عُقد، ولا كم بياناً صُدر، ولا كم صورة التُقطت أمام الأعلام. فالتاريخ لا يحتفظ بمحاضر الاجتماعات، بل يحتفظ بما تغيّر على الأرض.
ومن أكثر المفارقات إثارة للسخرية أن كل إخفاق يجد تفسيراً جاهزاً، مرة بسبب المؤامرة، وأخرى بسبب الظروف، وثالثة بسبب التعقيدات الدولية. حتى كادت المسؤولية تصبح الكائن الوحيد المهدد بالانقراض في الحياة السياسية اليمنية.
ليست المشكلة في شخص رشاد العليمي وحده، فاختزال أزمة بلد كامل في فرد واحد تبسيط مخلّ. لكن رأس السلطة يبقى عنواناً للمساءلة السياسية، لأن القيادة لا تُقاس بحجم الصلاحيات التي تُعلن، بل بحجم النتائج التي تتحقق. وحين تتراكم الأزمات دون حلول، يصبح النقد مشروعاً، بل ضرورة.
وفي النهاية، ربما تستحق الحكاية الشعبية اعتذاراً. فالأربعين حرامي على الأقل كانوا يعرفون ماذا يريدون، وكانوا يعملون بخطة واضحة، وكانت مغارتهم موجودة فعلاً. أما في النسخة السياسية اليمنية، فلا أحد يعرف أين المغارة، ولا أين الكنز، ولا من يملك المفتاح، بينما يبقى المواطن وحده يدفع فاتورة الحكاية كلها منذ سنوات، وما زال يُطلب منه أن يصدق أن النهاية السعيدة أصبحت على الأبواب