الصندوق الأسود للابتعاث… وثائق تكشف بالأرقام كيف اختُطفت المنح الدراسية من أصحابها الحقيقيين
الجمعة - 31 يوليو 2026 - 12:10 ص
صوت العاصمة/ عدن / غازي العلــوي :
الصندوق الأسود للابتعاث… أسرار تُكشف لأول مرة
كيف تحولت منح الابتعاث إلى غنائم للعائلات النافذة؟
فساد بالملايين ووطن يدفع الثمن .. من سرق حلم المتفوقين؟
هل كانت المحسوبية أقوى من قانون الابتعاث؟
كيف أُدير ملف الابتعاث خارج القانون لسنوات؟
ماذا يكشف الصندوق الأسود لمنح الابتعاث؟
ماذا بقي من العدالة في ملف المنح الخارجية؟
المنح .. جريمة لا تسقط بالتقادم
لم تكن المنح الدراسية الخارجية، في الأصل، سوى استثمار في مستقبل الوطن، وبوابة لصناعة الكفاءات التي يفترض أن تقود عملية التنمية وإعادة بناء الدولة. لكن ما كشفه تقرير حكومي رسمي أعاد فتح واحد من أكثر الملفات حساسية، ليظهر أن هذا الحلم الوطني جرى اختطافه وتحويله إلى مشروع خاص لخدمة المتنفذين وأقاربهم، فيما دُفع آلاف الطلاب المتفوقين إلى هامش الانتظار والحرمان.
ففي الوقت الذي كانت فيه الدولة تعاني انهيارًا اقتصاديًا غير مسبوق، وتكافح لتوفير مرتبات موظفيها، كانت ملايين الدولارات تتدفق إلى الخارج لتمويل منح دراسية لم تخضع – بحسب التقرير – لأي معايير قانونية أو تنافسية، بل كانت تُدار عبر شبكة معقدة من التوجيهات والوساطات والمحسوبية والقرابة، حتى بات ملف الابتعاث أقرب إلى “صندوق أسود” لإهدار المال العام.
التحقيق الذي تنشره “الأمناء” يستند إلى التقرير النهائي للجنة مراجعة قوائم المبتعثين وآليات الابتعاث، المشكلة بقرار رئيس الوزراء رقم (39) لسنة 2022، والصادر بتاريخ 27 فبراير 2023، والذي ظل بعيدًا عن الرأي العام، قبل أن يعاد تداوله أخيرًا، ليكشف تفاصيل صادمة عن واحدة من أكبر قضايا الفساد الإداري والمالي في مؤسسات الشرعية.
الابتعاث خارج القانون
أولى الحقائق التي توصلت إليها اللجنة أن عملية الابتعاث منذ انتقال وزارة التعليم العالي إلى العاصمة عدن عام 2016 لم تدار وفق قانون البعثات والمنح الدراسية.
فالقانون الذي ألزم بتشكيل لجان للمفاضلة والاختيار جرى تجاوزه بالكامل، لتحل محل المؤسسات شبكة من التوجيهات الشخصية والتدخلات السياسية والوساطات، الأمر الذي فتح الباب أمام العشوائية والانتقائية وإقصاء مبدأ تكافؤ الفرص.
وبحسب التقرير، فإن أخطر أشكال هذا الانحراف تمثل في ما يسمى بـ”المساعدات المالية”، وهي منح لم تكن تعلن للرأي العام، ولا تخضع لأي منافسة، وإنما تمنح عبر توصيات وتوجيهات تصدر من مسؤولين نافذين داخل الدولة وخارج الوزارة.
عندما تصبح المنح إرثًا عائليًا
ربما تكشف الأرقام التالية حجم الكارثة أكثر من أي وصف.
اللجنة رصدت 508 حالات ابتعاث بين الإخوة، و284 عائلة حصلت على أكثر من منحة، بما يعادل نحو 33 في المائة من إجمالي المبتعثين.
بعض العائلات لم تكتف بمنحتين أو ثلاث، بل حصلت على أربع وخمس، ووصل الأمر في حالات موثقة إلى أكثر من 16 منحة لعائلة واحدة.
ولإخفاء هذا الاحتكار، كشف التقرير أن بعض المستفيدين لجأوا إلى حذف الاسم الرابع أو تغيير لقب الأسرة حتى لا تظهر صلة القرابة داخل الكشوفات الرسمية.
هذه الأرقام تعني، عمليًا، أن ثلث المنح الدراسية ذهبت إلى دائرة ضيقة من الأسر، بينما كان آلاف الطلاب المتفوقين ينتظرون فرصة لم تأتِ أبدًا.
التوجيهات… بوابة العبور إلى الخارج
يكشف التقرير أن عام 2018 شهد أكبر موجة إضافات في تاريخ الابتعاث.
فقد أضيف 1565 طالبًا إلى كشوفات الابتعاث خارج المفاضلة، بكلفة قاربت ثلاثة ملايين دولار في الربع المالي الواحد.
وفي الربع الثالث فقط من العام نفسه، جرى اعتماد 585 طالبًا بتكلفة سنوية تجاوزت 4.3 ملايين دولار.
ولم تكن هذه الإضافات نتيجة منافسة أو إعلان رسمي، بل جاءت عبر عشرات التوجيهات الصادرة من رئاسة الوزراء والرئاسة ووزير التعليم العالي ونائبه ووكلاء الوزارة وجهات أخرى نافذة.
ويصف التقرير هذه الآلية بأنها أحد أهم أبواب العبث بالمال العام.
طلاب الطب بمعدلات الخمسينيات
من أكثر الوقائع التي تثير الدهشة، ما وثقته اللجنة من ابتعاث طلاب لدراسة الطب والهندسة بمعدلات لا تؤهلهم أصلًا لدخول هذه التخصصات.
فقد رصد التقرير طلابًا بمعدلات تراوحت بين 50 و74 بالمائة حصلوا على منح لدراسة الطب البشري وهندسة البترول.
ولم يتوقف الأمر عند ذلك، إذ سجلت اللجنة حالات لطلاب رسبوا في امتحانات المفاضلة بالكامل، لكنهم حصلوا لاحقًا على منح في كليات الطب، بينهم طالب مُنح مقعدًا في جامعة الأزهر رغم إخفاقه في جميع مواد المفاضلة.
وفي المقابل، كان أصحاب المعدلات المرتفعة خارج قوائم الابتعاث.
تزوير.. وسماسرة.. وبيع للمقاعد
التقرير لا يتحدث عن مخالفات إدارية فحسب، بل يوثق شبهات جنائية مكتملة الأركان.
اللجنة رصدت عمليات تزوير في التوجيهات الرسمية، إضافة إلى انتحال أكثر من 80 توقيعًا لوكيل قطاع البعثات أثناء وجوده خارج البلاد.
كما أشارت إلى وجود سماسرة يتولون بيع المنح مقابل مبالغ مالية، واعترف بعض أصحاب الملفات بأنهم دفعوا أموالًا للحصول على مقاعد دراسية.
وتشير الوثائق أيضًا إلى إضافة 44 طالبًا رغم نقص وثائقهم، مع إصدار قرارات ابتعاث رسمية لهم.
هدر ملايين الدولارات في تخصصات موجودة داخل اليمن
في بلد يعاني انهيارًا اقتصاديًا، كان يفترض أن تذهب الأموال إلى تخصصات نادرة يحتاجها الوطن.
لكن التقرير يكشف أن 233 طالبًا ابتعثوا لدراسة تخصصات أدبية وإنسانية موجودة بالكامل في الجامعات اليمنية، بكلفة سنوية تجاوزت 1.7 مليون دولار.
الأكثر غرابة أن الدولة مولت دراسة اللغة العربية في الهند وماليزيا وباكستان، بينما أرسلت طلابًا لدراسة اللغة الإنجليزية في روسيا والمغرب وتونس، وابتعثت طالبًا من جامعة ذمار إلى مصر لدراسة إنتاج الأسماك.
منح مخفية… لا يعلم بها أحد
يكشف التحقيق عن باب آخر من أبواب الفساد، يتمثل في المنح غير المعلنة.
فبحسب التقرير، توجد منح تبادل ثقافي تقدمها دول عدة، لكنها لا تعلن للرأي العام، ولا تطرح للمنافسة.
ومن بين هذه المنح، مقاعد جامعة الأزهر التي يقدر عددها بنحو مائة منحة سنويًا.
ويشير التقرير إلى أن جزءًا من هذه المقاعد كان يخصص لمسؤولين داخل الوزارة والحكومة، فيما تتصرف السفارة اليمنية في القاهرة ببقية المقاعد بطريقة وصفها التقرير بالغامضة.
هل كانت الوزارة تدير الملف… أم يديره النافذون؟
النتائج التي توصلت إليها اللجنة تطرح سؤالًا جوهريًا:
من كان يدير ملف الابتعاث فعليًا؟
فالتقرير يؤكد أن الوزارة عملت منذ انتقالها إلى عدن بطاقم إداري محدود، دون قاعدة بيانات إلكترونية، ودون لجان مختصة، ودون رقابة مؤسسية.
وبمعنى آخر، فإن أحد أكثر الملفات كلفة في الدولة ظل لسنوات يُدار بالأوراق والتوجيهات الشخصية، بعيدًا عن القانون.
وثائق التوجيهات… هل تبرئ أحدًا؟
ومع تصاعد الجدل، ظهرت وثائق لتوجيهات من عدد من أعضاء مجلس القيادة الرئاسي بشأن اعتماد منح دراسية.
غير أن الصحفي يعقوب السفياني اعتبر أن نشر تلك الوثائق لا يبرئ قيادة وزارة التعليم العالي السابقة، بل يؤكد أن منظومة الابتعاث كانت تُدار خارج الأطر القانونية.
ويرى السفياني أن أي مسؤول يصدر توجيهًا مخالفًا للقانون يتحمل مسؤوليته، لكن ذلك لا يعفي الوزير المختص من المسؤولية المباشرة عن تنفيذ تلك التوجيهات واعتمادها.
الضحايا الحقيقيون
وراء كل منحة مُنحت بالمحسوبية، كان هناك طالب متفوق فقد مستقبله.
وراء كل مقعد بيع أو منح بالوساطة، كانت هناك أسرة راهنت على تفوق ابنها قبل أن تصطدم بجدار النفوذ.
ولهذا، فإن القضية لا تتعلق فقط بملايين الدولارات التي أهدرت، بل بمستقبل جيل كامل، وبثقة المجتمع في مؤسسات الدولة.
الاختبار الحقيقي
بعد خروج هذا التقرير إلى العلن، لم يعد السؤال: هل حدث الفساد؟
فالوثائق والأرقام أجابت عن ذلك.
السؤال الذي ينتظر اليمنيون إجابته اليوم هو:
هل ستتحول هذه الوثائق إلى ملفات أمام القضاء، أم ستلقى المصير ذاته الذي لقيته تقارير كثيرة سبقتها؟
فالعدالة لا تتحقق بنشر التقارير وحدها، وإنما بمحاسبة كل من استغل المال العام، واسترداد الأموال المنهوبة، وإعادة الاعتبار لآلاف الطلاب الذين سُرقت منهم فرصهم باسم النفوذ والقرابة