تقرير : يتناول أزمة مضيق باب المندب والانتقالي والسعودية
الثلاثاء - 18 أغسطس 2026 - 12:16 ص
صوت العاصمة/ متابعات
تتصاعد المخاوف من تحول مضيق باب المندب إلى نقطة ضغط استراتيجية جديدة في الصراع المتصاعد بين الولايات المتحدة وإيران، في ظل استمرار الهجمات التي تشنها جماعة الحوثيين المدعومة من طهران على السفن التجارية في البحر الأحمر، وسط تحذيرات من تداعيات واسعة على حركة الملاحة الدولية وسلاسل الإمداد والطاقة.
وبحسب تقرير نشرته فوكس نيوز، فإن الهجمات الحوثية المتزايدة أعادت طرح سؤال استراتيجي مهم: هل يمكن أن يصبح باب المندب «هرمزاً ثانياً» في خضم المواجهة الأمريكية الإيرانية؟
وترى القناة أن المقارنة بين المضيقين ليست متطابقة؛ فإيران تمتلك نفوذاً مباشراً على حركة الملاحة في مضيق هرمز بحكم موقعها الجغرافي، بينما تعتمد قدرة طهران على التأثير في باب المندب بدرجة أكبر على حليفها الحوثي الذي يسيطر على مناطق واسعة من شمال اليمن ويطل على طرق الملاحة الدولية.
هجوم دموي على سفينة تجارية
وتزايدت المخاوف عقب هجوم شنه الحوثيون على سفينة الشحن «تهامة» المملوكة لمصر في مضيق باب المندب.
ووفق مسؤولين يمنيين وباكستانيين، أسفر الهجوم عن مقتل أربعة من أفراد الطاقم، بينهم ثلاثة باكستانيين وإندونيسي، فيما قُتل اثنان من رجال الإنقاذ اليمنيين إثر تعرضهم لهجوم ثانٍ أثناء وصولهم إلى موقع الحادث، وفق ما نقلته السلطات اليمنية.
وتشير المعلومات التي أوردها التقرير إلى أن هذه الوفيات، في حال تأكدها، ستكون أول قتلى يسقطون في هجوم حوثي على الملاحة منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإيرانية في 28 فبراير.
البحرية وحدها لا تكفي
ونقلت «فوكس نيوز» عن عمرو البيض، مسؤول العلاقات الخارجية في المجلس الانتقالي الجنوبي، قوله إن الانتشار البحري يمكن أن يحمي السفن بصورة مباشرة، لكنه لا يستطيع وحده إنهاء التهديد القادم من الأراضي التي تسيطر عليها جماعة الحوثيين.
وقال البيض إن حماية السفن تتطلب إجراءات تتجاوز الدور البحري، بما في ذلك التعامل مع مواقع إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، وقطع طرق تهريب الأسلحة والإمدادات، والسيطرة على المناطق البرية المطلة على الممر الملاحي.
وأضاف أن تأمين باب المندب بصورة مستدامة يتطلب وجوداً على الأرض، وليس الاكتفاء بحماية السفن في البحر.
اليمن الحلقة الأكثر تعقيداً
ويكتسب الوضع في باب المندب تعقيداً إضافياً بسبب الانقسام السياسي والعسكري داخل اليمن.
فالطريق البحري الذي يربط خليج عدن بالبحر الأحمر ثم قناة السويس، يمر بمحاذاة دولة تعيش منذ أكثر من عقد في حالة صراع وانقسام، حيث تسيطر جماعة الحوثيين على العاصمة صنعاء ومناطق واسعة من شمال البلاد، بينما تسيطر الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً وقوى محلية وحلفاء آخرون على مناطق مختلفة من البلاد.
ويبرز المجلس الانتقالي الجنوبي باعتباره أحد أبرز القوى السياسية والعسكرية في جنوب اليمن، وقد أشارت «فوكس نيوز» إلى الدعم الذي يحظى به من دولة الإمارات العربية المتحدة.
ويرى التقرير أن هذا الانقسام الداخلي أصبح عاملاً أساسياً في حسابات أمن الملاحة الدولية، إذ إن حماية الممر البحري لا يمكن فصلها عن السيطرة على المناطق البرية المطلة عليه.
تراجع حركة ناقلات النفط
وتأتي هذه التطورات في وقت تتزايد فيه الضغوط على حركة الملاحة في المنطقة.
وبحسب بيانات نقلتها منظمة United Against Nuclear Iran عن مركز المعلومات البحرية المشترك، تراجعت حركة ناقلات النفط بنحو 40% منذ إعلان الحوثيين في 20 يوليو ما وصفوه بـ«حصار بحري» على السعودية، مع تهديد السفن المرتبطة بالموانئ السعودية.
وأشار التقرير إلى أن بعض الناقلات بدأت تستخدم إشارات عبر أنظمة التتبع الخاصة بها مثل «مالك صيني» و«حراسة مسلحة على متن السفينة»، في محاولة لتقليل احتمالات استهدافها.
الصين تتحرك لضمان مرور سفنها
وفي ظل المخاطر المتزايدة، بدأت الصين بدورها اتصالات مع الحوثيين لضمان سلامة السفن الصينية.
وبحسب تقرير سابق لوكالة «رويترز»، جرت اتصالات بين بكين والحوثيين بشأن ضمان المرور الآمن للسفن المتجهة إلى الصين، فيما عبرت أربع ناقلات متجهة إلى الصين مضيق باب المندب بعد حصولها على ضمانات بشأن سلامة عبورها.
ويعكس ذلك حجم التأثير الذي يمكن أن تتركه الأزمة على القوى الاقتصادية الكبرى وعلى حركة التجارة العالمية.
البحر الأحمر بديل عن هرمز.. وقد يصبح نقطة ضغط ثانية
وتزداد أهمية البحر الأحمر بالنسبة للسعودية في ظل اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز نتيجة الحرب الأمريكية الإيرانية.
ويرى التقرير أن الرياض تعتمد بصورة متزايدة على منشآتها التصديرية في البحر الأحمر باعتبارها بديلاً عن طرق التصدير التي تتأثر بالاضطرابات في الخليج.
وبذلك، يتحول البحر الأحمر إلى بديل استراتيجي لمضيق هرمز، وفي الوقت ذاته إلى نقطة ضغط محتملة ثانية إذا اتسعت الهجمات الحوثية.
تحذيرات من عودة الحرب في اليمن
وفي السياق ذاته، حذر المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن هانس غروندبرغ أمام مجلس الأمن من أن اليمن يواجه أخطر تهديد بعودة القتال واسع النطاق منذ الهدنة التي توسطت فيها الأمم المتحدة عام 2022.
وقال غروندبرغ إن استئناف الحوثيين الهجمات على السفن التجارية قد يؤدي إلى جر اليمن بصورة أعمق إلى المواجهة الإقليمية الأوسع.
وكانت الهدنة قد ساهمت في خفض مستوى القتال بصورة كبيرة بعد سنوات من الحرب، رغم انتهاء مدتها رسمياً في أكتوبر 2022.
توكل كرمان: استعادة الدولة هي الحل
من جانبها، حذرت الناشطة اليمنية الحائزة على جائزة نوبل للسلام توكل كرمان من أن استمرار انهيار الدولة اليمنية لم يعد قضية داخلية، وإنما بات يشكل تهديداً للملاحة الدولية والتجارة وأمن الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.
وأكدت كرمان، في تصريحات نقلتها «فوكس نيوز»، أن استعادة الدولة اليمنية القادرة على بسط سلطتها تمثل الطريق الأساسي لتحقيق السلام المستدام ومواجهة الجماعات المسلحة.
وقالت إن اليمنيين أنفسهم قادرون على قيادة هذه المهمة، داعية المجتمع الدولي إلى دعمهم في استعادة الأمن والاستقرار.
باب المندب ليس هرمز
ورغم أوجه التشابه بين المضيقين، يرى خبراء أمريكيون أن باب المندب لا يمثل نقطة اختناق مطابقة لمضيق هرمز.
وقال ريتشارد غولدبرغ، المستشار البارز في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات والمسؤول السابق في مجلس الأمن القومي الأمريكي، إن إيران لا تمتلك التأثير المباشر نفسه على حركة الملاحة في باب المندب الذي تمتلكه في هرمز.
وأشار إلى أن الاستراتيجية الإيرانية في باب المندب تعتمد بدرجة أكبر على الوكلاء، وفي مقدمتهم الحوثيون.
كما لفت إلى أن هناك فارقاً جوهرياً بين المضيقين؛ إذ تستطيع السفن التي تواجه مخاطر في باب المندب تجنب البحر الأحمر بالكامل والإبحار حول القارة الأفريقية، رغم ما يترتب على ذلك من زيادة كبيرة في الوقت والتكلفة.
تحرك سعودي لتأمين الممرات البحرية
وفي مواجهة هذه التحديات، تعمل السعودية على بناء منظومة إقليمية متعددة المستويات لتعزيز أمن الملاحة.
وكانت السعودية وتركيا وباكستان قد وقعت في 7 أغسطس اتفاقية دفاعية ثلاثية في مكة المكرمة، تتضمن تعزيز التنسيق السياسي والعسكري وإجراء تدريبات مشتركة وتطوير التعاون في الصناعات الدفاعية.
وبالتوازي، تقود الرياض تحركاً منفصلاً لإنشاء تحالف بحري متعدد الجنسيات يهدف إلى حماية حرية الملاحة وتأمين خطوط التجارة والطاقة في باب المندب والبحر الأحمر وخليج عدن.
وبحسب التقرير، أيدت المبادرة في مرحلتها الأولى 14 دولة، من بينها تركيا وباكستان ومصر والسودان وجيبوتي، فيما أكدت أنقرة مشاركتها في اجتماعات تُعقد في جدة لبحث تشكيل التحالف.
واشنطن: حماية الملاحة أولوية
وأكدت وزارة الخارجية الأمريكية أن حماية الملاحة التجارية في البحر الأحمر ومضيق هرمز تمثل أولوية بالنسبة لإدارة الرئيس دونالد ترامب.
وقالت الوزارة إن الولايات المتحدة ستواصل العمل مع شركائها الدوليين لردع الهجمات الإيرانية وهجمات الجماعات المدعومة من إيران على السفن التجارية، وضمان حرية التجارة والملاحة، ومحاسبة الجهات التي تهدد أمن الممرات البحرية.
كما أشارت واشنطن إلى استمرار جهودها لوقف تدفق الأموال والأسلحة الإيرانية إلى الحوثيين، مؤكدة أنها فرضت عقوبات على أكثر من 200 جهة مرتبطة بالجماعة.
وجددت الولايات المتحدة دعمها للسعودية والحكومة اليمنية المعترف بها دولياً في مواجهة تهديدات الحوثيين، مؤكدة استمرار التنسيق مع الرياض وشركائها اليمنيين بشأن أمن المنطقة.
الخلاصة
ويكشف التصعيد المتزايد في باب المندب أن الصراع الأمريكي الإيراني لم يعد محصوراً في الخليج ومضيق هرمز، بل بات يمتد إلى أحد أهم الممرات البحرية التي تربط آسيا وأوروبا.
وفي حين يبقى مضيق هرمز نقطة الاختناق الأكثر حساسية بالنسبة لتجارة الطاقة العالمية، فإن باب المندب قد يتحول إلى جبهة بحرية موازية إذا استمرت الهجمات الحوثية واتسعت دائرة المواجهة الإقليمية.
ويبدو أن المعركة المقبلة لن تكون بحرية فقط؛ فالتطورات تشير إلى أن أمن باب المندب يرتبط بصورة مباشرة بمستقبل السيطرة على الأراضي اليمنية، وبقدرة القوى المحلية والإقليمية على منع استخدام الساحل اليمني كمنصة لتهديد الملاحة الدولية.