تقارير



المسرح الوطني في التواهي.. ذاكرة عدن المهددة بالبيع مقابل مليون دولار

الثلاثاء - 18 أغسطس 2026 - 10:06 م

المسرح الوطني في التواهي.. ذاكرة عدن المهددة بالبيع مقابل مليون دولار

صوت العاصمة/خاص:

تقرير | مراد حسين الشعيبي

في أحد أحياء مديرية التواهي بمدينة عدن، يقف مبنى كان يومًا واحدًا من أبرز المنارات الثقافية والفنية في المدينة، قبل أن تتحول خشبته التي احتضنت الفنانين والمسرحيين إلى أبواب مغلقة وذاكرة تنتظر من يعيد إليها الحياة.

إنه المسرح الوطني في التواهي، المكان الذي ارتبط اسمه بتاريخ المسرح في عدن، وشهد على عقود من النشاط الفني والثقافي، وكان بالنسبة لأجيال من أبناء المدينة أكثر من مجرد مبنى؛ كان مساحة للفرح والفن والتعبير، وملتقى للمسرحيين والفنانين والجمهور.

واليوم، وبعد سنوات طويلة من الإغلاق والإهمال، تتجدد المخاوف من ضياع هذا المعلم، مع تداول معلومات عن عرض المبنى للبيع بمبلغ يقدر بنحو مليون دولار، من قبل مالكه التاجر من أصول هندية جعفر محمد ميزرا، بحسب المعلومات المتداولة بشأن عرض العقار للبيع.

حكاية بدأت منذ أكثر من قرن

لا يمكن الحديث عن المسرح الوطني في التواهي بمعزل عن تاريخ المسرح في مدينة عدن.

فالمصادر التاريخية تشير إلى أن عدن عرفت العروض المسرحية منذ عام 1904، عندما قدمت فرقة هندية زائرة عرضًا مسرحيًا في المدينة، وهو ما جذب اهتمام الجمهور وشجع عددًا من أبناء عدن على خوض تجربة المسرح وتقديم أعمال محلية، وصولًا إلى عرض مسرحي محلي عام 1910.

ومع مرور السنوات، تطورت الحركة المسرحية والفنية في عدن، وأصبحت المدينة واحدة من أبرز البيئات الحاضنة للفنون والمسرح في المنطقة.

وكان المسرح الوطني في التواهي إحدى أبرز المنصات التي احتضنت هذا النشاط، ووقف على خشبته فنانون ومسرحيون وفرق فنية، كما احتضن فعاليات فنية وثقافية مختلفة.

خشبة احتضنت أعمالًا خالدة

ارتبط المسرح الوطني في عدن، وخشبته في التواهي، بعدد من الأعمال المسرحية التي بقيت حاضرة في ذاكرة المسرحيين.

ومن أبرز الأعمال التي ارتبطت بفرقة المسرح الوطني: «فتاتنا اليوم»، «التركة»، «القوي والأقوى»، «الفردية القاتلة»، «نحن والفاشية»، «شموس الأرض» و«تعليم المرأة».

كما عُرضت على خشبة المسرح الوطني في التواهي مسرحية «زوجوها تعقل» للكاتب والفنان عبدالكريم مريد، إلى جانب أعمال أخرى ارتبطت بتجربته المسرحية مثل «ربان السفينة» و«هذا ما جناه أبي».

ولم يتوقف حضور المسرح العدني عند حدود المدينة، إذ شاركت فرقة المسرح الوطني عام 1979 في مهرجان المسرح العربي بدمشق بمسرحيتي «الفردية القاتلة» و«نحن والفاشية»، في محطة عكست حضور المسرح العدني على المستوى العربي.

من خشبة تنبض بالحياة إلى أبواب مغلقة

كان المسرح الوطني جزءًا من المشهد الثقافي اليومي لمدينة عدن، إلا أن هذا الدور توقف بعد إغلاق المبنى عام 1997.

ومع الإغلاق، خسر المسرحيون في عدن واحدة من أهم خشباتهم، ولم يكن الأمر مجرد توقف لنشاط فني، بل كان بداية لغياب طويل لمؤسسة مسرحية كان لها حضورها في ذاكرة المدينة.

وقد ظل الأمل قائمًا لدى المسرحيين والفنانين في أن تفتح أبواب المسرح من جديد، وأن تعود الخشبة التي شهدت أعمالًا وفعاليات فنية إلى استقبال الجمهور.

ليس عقارًا فقط

المشكلة اليوم لا تتعلق بجدران مبنى قديم، وإنما بمصير جزء من ذاكرة عدن.

فالمسرح الوطني يمثل بالنسبة لأبناء المدينة مكانًا ارتبط بمرحلة مهمة من تاريخهم الثقافي والفني، ويمثل بالنسبة للمسرحيين خشبة كان يمكن أن تستعيد دورها في احتضان المواهب الجديدة، وتقديم العروض، وإقامة المهرجانات والفعاليات الثقافية.

وفي مدينة تعاني أصلًا من تراجع العديد من المؤسسات والمنشآت الثقافية، فإن فقدان مسرح تاريخي بهذا الحجم يعني خسارة مساحة يمكن أن تلعب دورًا مهمًا في إعادة الحياة إلى المشهد الثقافي والفني.

مليون دولار مقابل ذاكرة مدينة؟

بحسب المعلومات المتداولة، فإن التاجر من أصول هندية جعفر محمد ميزرا يعرض المسرح الوطني في التواهي للبيع مقابل مبلغ يقدر بنحو مليون دولار.

وهنا يبرز سؤال يتجاوز مسألة البيع والشراء:

هل يمكن أن تكون قيمة هذا المكان محسوبة فقط بسعر الأرض والمبنى؟

بالنسبة للمسرحيين وأبناء عدن، فإن المسرح يحمل قيمة تاريخية وثقافية تتجاوز القيمة العقارية، فهو جزء من ذاكرة المدينة وأحد الأماكن التي ارتبطت بتاريخ الحركة المسرحية والفنية فيها.

دعوة إلى إنقاذ المسرح

ومن هنا، تتجه الدعوات إلى الجهات المختصة في عدن والجهات المعنية بالثقافة والتراث للتحرك بصورة عاجلة لدراسة إمكانية شراء المسرح الوطني، أو التوصل إلى صيغة قانونية تحفظ حقوق مالكه وتحمي في الوقت ذاته هذا المعلم التاريخي من الضياع.

كما أن إعادة تأهيل المسرح يمكن أن تكون خطوة مهمة لإحياء الحركة المسرحية في عدن، وفتح المجال أمام الفرق المسرحية والفنانين والشباب والمواهب الجديدة.

فالمطلوب ليس مجرد إنقاذ مبنى قديم، وإنما إعادة الحياة إلى واحدة من أهم المساحات الثقافية التي عرفتها عدن.

قبل أن يختفي الستار

المسرح الوطني في التواهي ليس مجرد جدران وسقف وخشبة.

إنه ذاكرة أجيال، واسم ارتبط بتاريخ الفن في عدن، ومكان شهد لحظات مهمة من تاريخ المدينة الثقافي.

وإذا كان المسرح قد أُغلق لسنوات طويلة، فإن الأمل ما زال قائمًا في أن تفتح أبوابه مرة أخرى، لا ليعود مبنىً فقط، بل ليعود صوتًا للفن والمسرح والثقافة في عدن.

فالمباني يمكن أن تُشترى وتُباع، لكن ذاكرة المدن إذا ضاعت، يصعب استعادتها.

فهل تتحرك الجهات المختصة لشراء المسرح الوطني في التواهي وإنقاذه، وإعادة تأهيله ليعود من جديد منارةً ثقافية ومسرحية لأبناء عدن؟



الأكثر زيارة


العودة إلى الوطن مقابل محاكمة الزبيدي؟ ضغوط على وفد جنوبي في.

الإثنين/17/أغسطس/2026 - 11:37 م

كشفت الإعلامية هند أحمد عثمان العمودي عن معلومات تفيد بممارسة "ضغوط شديدة" على وفد جنوبي محتجز في الرياض، مقابل السماح له بالعودة إلى أرض الوطن. الشرط


سائق قاطرة يفضح "قوات الطوارئ": احتجزوني وصادروا أموالي وأجب.

الإثنين/17/أغسطس/2026 - 09:18 م

روى سائق قاطرة من أبناء ردفان تفاصيل ما وصفها بـ”التجربة القاسية” التي قال إنه تعرض لها على يد قوات الطوارئ اليمنية – الفرقة الأولى في صحراء العبر بمح


ماجد الشعيبي: الرهان على الخارج خاسر.. ومستقبل الجنوب يصنعه .

الإثنين/17/أغسطس/2026 - 11:45 م

قال الإعلامي الجنوبي ماجد الشعيبي إنه وصل إلى قناعة بعدم ثقته في تحقيق الرياض لتطلعات الجنوب بالاستقلال، مشدداً على أن المستقبل يجب أن يُصنع من الداخل


استهداف الجنوب وقواته المسلحة.. هدية السعودية للحو.ثيين.

الثلاثاء/18/أغسطس/2026 - 12:06 ص

يعكس استهداف الجنوب العربي ومؤسساته العسكرية والأمنية أبعاداً خطيرة تتجاوز حدود الخلافات السياسية المعتادة، ليتحول إلى كلفة باهظة تدفعها القوات المسلح