المجلس الانتقالي وخداع الوصاية: من أرخنة الاتفاقيات إلى عبثية التعامل وغياب عدالة الحلول
الأربعاء - 19 أغسطس 2026 - 12:44 ص
صوت العاصمة/ بقلم : د. أمين العلياني
في السياسة لا تُقرأ النوايا من الوجوه، ولا تُستشف المقاصد من البيانات، وإنما تُستنبط الحقائق من مسافةٍ صامتة تفصل بين ما يُوقَّع فوق الطاولات وما يجري في الممرات. ومن تلك المسافة التي تصنع الفارق بين اتفاقٍ يُحترم فيصير قاعدة، واتفاقٍ يُؤرشَف فيتحول إلى رقمٍ في سجلٍّ تاريخي لا يحرك واقعًا ولا يُلزم أحدًا. وفي هذه المسافة بالذات وُلدت أزمة المجلس الانتقالي الجنوبي مع سياسة الرياض الخادعة والمتقلبة؛ لا لأن الاتفاقات غابت عن المشهد، بل لأنها حضرت بوصفها ذاكرةً لا التزامًا، ووثيقةً للاستدعاء عند الحاجة لا قاعدةً للاحتكام عند الخلاف.
حين وقّعت الرياض اتفاقها مع المجلس الانتقالي الجنوبي عام 2019 بمرحلتيه الأولى والثانية، لم تكن توقّع مع كيانٍ هامشي وُجد في لحظة حرب ليكون ظلًا سياسيًا سرعان ما تذروه الرياح، كانت توقّع مع طرفٍ سياسي وعسكري حاضرٍ على الأرض، يملك رصيدًا شعبيًا متعاظمًا، ويمثل إرادة شعبٍ خرج إلى الشوارع حاملًا قضيته قبل أن يجلس إلى الطاولات. وحين نُصَّ في الاتفاق على إشراك الجنوب في الحكومة مناصفةً بين الشمال والجنوب، ثم جاء النص الصريح على مشاركة المجلس الانتقالي في وفد الحكومة إلى مشاورات الحل النهائي، لم يكن ذلك تفضّلًا سعوديًّا من وسيط، بل كان اعترافًا وُلد من موازين قوى فرضت نفسها، وترجمةً سياسية لحقيقةٍ لم يعد ممكنًا تجاهلها: أن الجنوب ليس مساحةً جغرافية تُدار من الخلف، بل قضيةٌ سياسية تعبر عن إرادة شعب لها أصحاب سقوطها بالدم والدمع، وأصحابها لهم عنوان في الميادين والجبهات.
غير أن ما حدث بعد التوقيع لم يكن امتدادًا منطقيًا لما نُصَّ عليه، بل كان انزياحًا تدريجيًا عن الالتزامات نحو منطقةٍ رمادية من التسويف وإعادة التعريف. ففي فبراير 2023، استنكر المجلس الانتقالي عرقلة تشكيل الوفد التفاوضي المشترك، مؤكدًا أن قضية شعب الجنوب لا تقبل الترحيل، وأن مخرجات مشاورات الرياض نصت على إدراجها ضمن أجندة مفاوضات وقف الحرب ووضع إطار تفاوضي خاص بها. ثم عاد في أغسطس من العام نفسه ليجدد المطالبة بالإسراع في تشكيل الوفد، مشددًا على ضرورة حضور قضية شعب الجنوب في جميع مراحل العملية السياسية ضمن إطار تفاوضي خاص وكانت تلك التحذيرات بمثابة جرس إنذارٍ مبكر، لكن الرياض لم تكن تستمع جيدًا؛ فقد كانت منشغلةً بترتيب أولوياتٍ أخرى يبدو فيها الجنوب أقرب إلى ملفٍّ مؤجل منه إلى قضيةٍ تستحق الحل وشعب يجب أن يعيش.
ثم جاءت أحداث حضرموت والمهرة في أواخر ديسمبر 2025 لتضع النقاط على الحروف وتكشف الجوهري من العرضي في هذا المسار المتعثر. وعندما دخلت القوات الجنوبية وادي حضرموت والمهرة لمنع التمرد على السلطة المحلية، ومحاربة تهريب الأسلحة إلى الحوثيين، والقضاء على بؤر الإرهاب التي تهدد أمن المنطقة وحدودها، ولم يكن ذلك التحرك عدوانًا على أحد، ولا مغامرةً خارج السياق ولا تهديدًا لأمن قومي لأحد، بل كان استحقاقًا أمنيًا يقع في صميم مسؤوليات الجنوب عن أرضه وشعبه، غير أن الرياض نظرت إلى الأمر من زاويتها المختلفة تمامًا، فرأت في التحرك تهديدًا لنفوذها، وفي القوات الجنوبية تجاوزًا لحدودٍ رسمتها لنفسها لا لمصلحة الجنوب ومشروع نضاله لحماية جغرافيته. وفي الثلاثين من ديسمبر أصدرت الخارجية السعودية بيانها الذي تحدث عن التصعيد في المحافظتين، بينما أعلنت قيادة التحالف تنفيذ ضربةٍ محدودة في ميناء المكلا، وقالت إن العملية استهدفت أسلحة ومركبات قتالية أُفرغت من سفينتين، وربطت ذلك بدعم قوات المجلس الانتقالي في المحافظتين، ومن تلك اللحظة تحديدًا لم تعد المسألة خلافًا على تفسير اتفاقٍ سابق، بل انتقل الصراع إلى سؤالٍ أشد حساسية: من يملك حق تحديد وظيفة القوات الجنوبية؟ ومن يرسم خطوط الأمن في الأرض الجنوبية؟ وهل يُنظر إلى الجنوب بوصفه شريكًا في صناعة الأمن، أم بوصفه ساحةً يجب ضبطها وفق مقتضيات الأمن السعودي بطريقة الوصاية لا المصالح المشتركة؟
وهنا ينبغي التوقف طويلًا؛ لأن اللحظة تستحق؛ فالسعودية لا يمكن اختزال دوافعها في روايةٍ واحدة، كما أن المجلس الانتقالي لا يمكن اختزال دوافعه في روايةٍ واحدة؛ لأن الرياض تنظر إلى حضرموت والمهرة من زاوية أمن حدودها وممراتها ومصالحها الإقليمية وتحاول بكل السبل إخضاعها لتعبية تتعدى حدود الوصاية إلى أطماع احتلالية، بينما ينظر الانتقالي إلى الانتشار العسكري في المحافظات الجنوبية الشرقية بوصفه جزءًا من ترتيبات أمنية وسياسية داخل الجنوب. وبين الرؤيتين تضيع المسألة الأهم: أين هو القرار الجنوبي في كل ذلك؟ فالجنوب ليس مجرد مساحةٍ جغرافية تتنازعها القوى الإقليمية تحت عناوين الأمن ومكافحة الإرهاب وحماية الحدود، بل الجنوب مجتمعٌ له ذاكرة سياسية طويلة، وقضية تراكمت عبر عقود من الإقصاء والتهميش والضم والالحاق والاحتلال، وشعبٌ يحمل تصورًا خاصًا لمستقبله السياسي في استعادة دولته كاملة السيادة. ومن ثم فإن أي معالجة تتجاوز الإرادة السياسية للجنوبيين ستظل معالجةً أمنية مؤقتة، مهما بلغت قدرتها على فرض الهدوء بالقوة.
ثم جاءت أحداث يناير 2026 الدامية، حيث بلغ المسار منعطفه الأكثر دلالة ودعت الرياض وفد المجلس الانتقالي إلى السعودية لمناقشة ما ترتب على أحداث يناير الدموية، وللانخراط في حوارٍ جنوبيٍّ جنوبيٍّ ترعاه الرياض، على أن يصبح المجلس مكوّنًا ضمن مكوناتٍ جنوبية متعددة، بعد أن كان ممثلًا عن إرادة الشعب في الحل النهائي. وهنا ظهرت المفارقة السياسية في أوضح صورها: المجلس الذي دخل اتفاق الرياض بوصفه طرفًا سياسيًا، ونص الاتفاق على مشاركته في وفد الحل النهائي، وجد نفسه بعد سنواتٍ معدودات في موقعٍ يُطلب منه فيه أن يتحول من طرف إلى مكوّن، إلى منحل ومن ممثلٍ سياسي ذي مشروعٍ معلن إلى واحدٍ من مكونات إلى أشخاص بمفردهم في حوارٍ جنوبيٍّ متعدد، ومن طرف سياسي تفاوضي له حضور على الأرض إلى كيانٍ يُعاد تعريف موقعه داخل عمليةٍ جديدة ترعاها الرياض وتحولت دعوة الحوار إلى أداة ضاغطة لحلّ المجلس وإنهائه وعدم الاعتراف به ممثلًا عن شعب الجنوب.
وهذه ليست مسألة لغوية بسيطة، ولا تبديل ألفاظٍ يمضي في غفلةٍ من القارئ. الفرق بين طرف سياسي ومكوّن من مكونات الحوار هو فرقٌ في الوزن التفاوضي، وفي طبيعة الاعتراف السياسي، وفي نقطة البداية التي تُبنى عليها التسوية. فإذا كان المجلس الانتقالي قد دخل اتفاق الرياض بوصفه طرفًا، فلماذا يصبح بعد سنواتٍ قليلة مجرد مكوّن، ثم منحل؟ وإذا كان الاتفاق نفسه قد نص على مشاركته في وفد الحل النهائي، فلماذا لم يتحول ذلك النص إلى قاعدةٍ سياسية لا يجوز الالتفاف عليها؟ المفارقة الأشد أن الحل الذي كان يفترض أن يقترب من قضية شعب ط الجنوب عبر التفاوض معها، أخذ يتحول إلى عملية إعادة تعريف للقضية نفسها. فبدل أن يكون السؤال: كيف تُحل قضية شعب الجنوب؟ أصبح السؤال تدريجيًا: من يمثل الجنوب؟ ثم تطور إلى: كيف نُعيد تشكيل تمثيل الجنوب؟ ثم بات الخطر أن يتحول السؤال إلى: هل هناك أصلًا طرفٌ جنوبي يمكن التفاوض معه بوصفه صاحب قضية سياسية؟
وهنا تحديدًا تكمن خطورة المسار. فتحويل قضية شعب الجنوب من قضيةٍ سياسية إلى مجرد حوار جنوبيٍّ – جنوبي ليس خطأً في ذاته إذا كان الحوار وسيلةً لتوسيع التمثيل وتحصين القرار الجنوبي، لكنه يصبح مشكلةً سياسية كبرى عندما يتحول الحوار إلى بديل عن الاعتراف بأصل القضية، أو إلى أداةٍ لإعادة توزيع التمثيل وفق ميزان القوة الذي تحدده الدولة الراعية بضغوط الوصاية؛ فالحوار الحقيقي الذي ينشأ من أرض الجنوب ويعبر عن إرادة الشعب يوسّع دائرة المشاركة، أما الحوار المصمم بوصاية لإعادة إنتاج طرفٍ مقبول وإقصاء طرفٍ آخر فإنه لا ينتج تسوية؛ بل ينتج أزمةً جديدة مؤجلة. ومن هنا يمكن فهم سبب عدم ثقة المجلس الانتقالي الجنوبي العربي من مسار الرياض: ليست المشكلة في الحوار من حيث المبدأ، وإنما في السؤال الذي يسبق الحوار: هل يذهب الجنوبيون إلى الحوار لتحديد مستقبلهم، أم يذهبون إليه بعد أن يكون مستقبلهم قد حُدِّد لهم مسبقًا؟ ليهدف إلى تحريف قضيتهم من أصلها السياسي وبعدها الوطني الموحد للهوية والجغرافيا إلى تعريفها في أصل جذور مشاكلها التاريخة ذات الأبعاد الاجتماعية.
ثم جاء يوليو 2026 ليضيف فصلًا جديدًا إلى هذه الرواية المتوترة؛ أعلنت السعودية أن الحكومة اليمنية الشرعية وقعت على خارطة الطريق، في وقتٍ استمرت فيه الخلافات حول كيفية إدارة التسوية وموقع مختلف القوى منها ومنذ ذلك الوقت وحتى اليوم تتكشف الأمور على حقيقتها: أن الحل النهائي صار يُدار بالتقسيط، من دون إشراك المجلس الانتقالي الذي كان ممثلًا لإرادة الشعب، وكأن قضية شعب الجنوب يمكن تجميدها إلى ما بعد ترتيب الأولويات الأخرى، وكأن الجنوب مطالَبٌ بأن يكون حاضرًا حين تحتاج التسوية إلى توقيع، وغائبًا حين تبدأ مرحلة صناعة الحل. وهنا يصبح السؤال الجوهري: إذا كانت التسوية اليمنية تتقدم نحو مرحلةٍ سياسية جديدة، فأين قضية شعب الجنوب في هندسة هذه التسوية؟ وأين هو الطرف الذي سبق أن نص اتفاق الرياض على مشاركته في الحل النهائي؟
لا يمكن بناء سلامٍ دائم في اليمن والجنوب بتقسيط القضايا السياسية ولا يمكن إغلاق ملف الجنوب عبر تأجيله من مرحلة إلى أخرى، ثم استبدال التفاوض عليه بإعادة تشكيل من يتحدث باسمه. فالقضية التي يُؤجَّل حلها لا تختفي؛ بل تنتقل من قاعة المفاوضات إلى الشارع، ومن الوثائق إلى الوعي الجمعي، ومن السياسة إلى سؤال الشرعية ذاتها. ولهذا فإن المجلس الانتقالي، إن أراد مواجهة هذا المسار، لا يحتاج إلى رد فعلٍ انفعالي ولا إلى مواجهةٍ مفتوحة مع الرياض، وإنما يحتاج إلى إعادة بناء موقفٍ تفاوضيٍّ جنوبيٍّ صارم وواضح: الالتزام بكل اتفاقٍ وقّعه، والمطالبة بتنفيذ كل استحقاقٍ نص عليه، ورفض تحويل الاتفاقات إلى وثائق تاريخية منزوعة الأثر، والتمسك بأن أي تسوية تمس مستقبل الجنوب لا يمكن أن تُصنع من دونه ولا أن تُفرض عليه من فوقه.
وإن أخطر ما يمكن أن تفعله الرياض اليوم ليس أن ترفض مشروع المجلس الانتقالي الجنوبي صراحة؛ لكي تُبقي باب الحل مفتوحًا في الخطاب، بينما يجري إغلاقه في الإجراءات، وأن تقول إن قضية شعب الجنوب حاضرة وعادلة، ثم يجري التعامل معها بوصفها ملفًا مؤجلًا، وأن تدعو إلى الحوار، ثم يصبح الحوار وسيلةً لتغيير صاحب القضية وممثلها والمفوض شعبيًّا في التعبير عنها بدل معالجة القضية ذاتها. وذلك هو العبث السياسي بعينه بعد أن يتحول الحل من معالجةٍ للمشكلة إلى إدارةٍ للمشكلة، وأن تتحول الاتفاقيات من ضمانات إلى ذكريات، وأن يتحول الشريك إلى مكوّن، وأن تتحول القضية من مشروعٍ سياسي إلى ملفٍّ اجتماعي، وأن يصبح الزمن نفسه أداةً لإفراغ الالتزامات من مضمونها.
ومن هنا فالزمن الذي تراهن عليه الوصاية السعودية لإضعاف قضية شعب عادلة مثل قضية شعب الجنوب قد يفعل العكس تمامًا؛ فقد يجعلها أكثر رسوخًا في الوعي الجمعي. فالذاكرة الجنوبية لم تكن يومًا ذاكرةً قصيرة، ولم يكن النسيان يومًا من صفات شعبٍ حمل قضيته في المنافي والسجون والشوارع قبل أن يحملها في القاعات والمؤتمرات وفي المتارس والجبهات. ولهذا فإن الرياض، إن أرادت أن تخرج من مأزقها الجنوبي بأقل كلفةٍ سياسية، لا تحتاج إلى اتفاقٍ جديد بقدر حاجتها أولًا إلى استعادة قيمة الاتفاق القديم. فالوفاء بالالتزام ليس تنازلًا للمجلس الانتقالي، كما أن الاعتراف بالبعد السياسي للقضية الجنوبية ليس منحةً من الرياض؛ بل هو المدخل الضروري لبناء تسويةٍ قابلة للحياة. أما الاستمرار في سياسة الترحيل والتأجيل وإعادة تدوير المكونات، فلن ينتج حلًا، بل سيحوّل الرياض نفسها من راعٍ للتسوية إلى طرفٍ في أزمة الثقة.
وهنا يقف الجنوب قضية وشعب أمام لحظةٍ فارقة: إما أن يتحول مسار الرياض إلى مسارٍ حقيقي يعترف بأن العدالة السياسية تبدأ من الاعتراف بأصحاب القضية وإرادتهم التي يمثلها المجلس الانتقالي ورئيسه الزبيدي، وإما أن يبقى مجرد هندسةٍ مؤقتة للمشهد، تُدار فيها الأزمة بدل أن تُحل. وفي نهاية المطاف، لا تستطيع أي عاصمة، مهما بلغت قوتها، أن تصنع شعبًا بديلًا عن شعب، ولا أن تمنح قضيةً شعب سياسية ووطنية وتاريخية تعريفًا يناقض وعي أصحابها، ولا أن تجعل التوقيع أهم من الإرادة التي يفترض أن يحميها التوقيع.
ومن هنا فقد آن الأوان لأن تُطرح المسألة على الرياض بلا مواربة: فإذا كانت الرياض تحترم اتفاقياتها التي اعترفت بالمجلس الانتقالي الجنوبي طرفًا سياسيًا، ونصت على مشاركته في الحل النهائي، فما الذي تغيّر حتى أصبح المطلوب إلغاء اليوم بدل تنفيذ الاتفاق؟ وإذا كانت الرياض تريد حل قضية شعب الجنوب، فلماذا يبدأ الحل بإعادة تعريف من يمثل الجنوب بدل فتح الطريق أمام تفاوضٍ حقيقي حول مستقبله وفق خيارات شعب الجنوب واحترام إرادته فيمن يريد أن يختاره مفوضًا ويكون قائدًا لتلك الإرادة؟ وهذه ليست أسئلة المجلس الانتقالي وحده، ولا أسئلة خصومه من القلة القليلة المعارضة له، وإنما هي أسئلة مصداقية التسوية والحلول العادلة كلها. فالسلام الذي لا يعترف بالحقائق السياسية لا يصنع سلامًا؛ والاتفاق الذي لا يُنفَّذ يتحول إلى وثيقةٍ أرشيفية؛ والحوار الذي يبدأ بإقصاء صاحب الوزن السياسي مثل المجلس الانتقالي الجنوبي لا ينتج توافقًا؛ والحل الذي لا يقوم على عدالةٍ سياسية سيظل، مهما طال عمره، مجرد هدنةٍ مؤجلة الانفجار.
وقضية شعب الجنوب لا تحتاج إلى مزيدٍ من المواعيد المؤجلة من قبل الرياض، ولا إلى اتفاقياتٍ جديدة تُضاف إلى أرشيف الاتفاقيات القديمة؛ بل تحتاج إلى إجابةٍ سياسيةٍ صريحة عن حق شعبها في تحديد مستقبله، واحترام إرادة الشعب في تفويض من يشاء ليكون ممثلًا له وإلى مسارٍ تفاوضيٍّ جادٍّ لا يبدّل أسماء الأطراف كلما اقترب موعد الحل. وما لم تدرك الرياض أن إدارة الجنوب كجغرافيا بوصاية شيء، وحل قضية شعب الجنوب حلًا يرضي إرادة الشعب شيء آخر تمامًا، فإنها ستظل تدور في الحلقة المفرغة نفسها، وهذه، في جوهرها، ليست سياسة تسوية وحلول عادلة كما تدعي الرياض؛ بل هي سياسة وصاية وإدارة للأزمة حتى إشعارٍ آخر وهو ما لا يقبله شعب الجنوب الذي فوض المجلس الانتقالي الجنوبي بقيادة الرئيس عيدروس الزبيدي.