مداد العاصمة



الجنوب بعد يناير 2026 .. فراغ المشروع وأزمة الشراكة وأسئلة المستقبل

الأربعاء - 19 أغسطس 2026 - 01:47 ص

الجنوب بعد يناير 2026 .. فراغ المشروع وأزمة الشراكة وأسئلة المستقبل

صوت العاصمة / كتب / د. محمود شائف :



قراءة سياسية في تحولات الحرب وأزمة الدور ومستقبل القضية الجنوبية

مثّلت أحداث يناير 2026 نقطة تحول خطيرة في مسار القضية الجنوبية والأزمة اليمنية عموماً. فما جرى في حضرموت، بعد التدخل العسكري واستهداف الطيران السعودي للقوات الجنوبية يوم الجمعة 2 يناير 2026، ثم دعوة المملكة لوفد المجلس الانتقالي إلى الرياض في 6 يناير 2026 لمناقشة تطورات الأحداث في حضرموت، وإعلان حل المجلس في ظرف استثنائي مفاجئ في 9 يناير 2026، وما أعقب ذلك من إجراءات لإعادة هيكلة وتفكيك المؤسسة العسكرية الجنوبية، ومحاولات إغلاق مقرات المجلس، ومنع قياداته من ممارسة نشاطها، وملاحقة بعض قياداته الميدانية، بالتوازي مع محاولات صناعة مكونات سياسية بديلة وإنشاء مجالس تنسيقية في المحافظات؛ كل ذلك لم يكن مجرد تطور عسكري أو تنظيمي عابر.

لقد مثّل ما حدث انتقالًا خطيرًا إلى مرحلة سياسية جديدة، أخذت ملامحها تتضح تدريجيًا، وأثارت لدى قطاع واسع من الجنوبيين مخاوف من أن يكون الهدف أبعد من إعادة ترتيب المشهد السياسي والعسكري، ليصل إلى إضعاف وإنهاء المشروع الجنوبي وإعادة تمثيل القضية الجنوبية بما يحد من قدرتها على التأثير في أي تسوية سياسية مقبلة.

وفي الوقت نفسه، تكشف التطورات اللاحقة حالة من الارتباك وغياب رؤية سياسية متكاملة، سواء لإدارة الجنوب بعد أحداث يناير، أو لإدارة الحرب والأزمة اليمنية بصورة أشمل.

ومن هنا تبدأ المشكلة الحقيقية؛ فبعد ما يقرب من ثمانية أشهر من أحداث يناير، لا تزال هناك الكثير من الأسئلة الأساسية بحاجة إلى إجابة، منها: غياب رؤية سعودية واضحه لإدارة الجنوب؟ ما مستقبل القضية الجنوبية وتمثيلها السياسي؟ وما استراتيجية التعامل مع الحوثي؟ وما هو التصور النهائي للتسوية اليمنية؟ في ظل انتقال الحوثي من قوة انقلاب محلية إلى فاعل يرتبط بمعادلات إيران والبحر الأحمر وباب المندب والأمن الإقليمي؟.


اتفاق الرياض بعد يناير..هل انتهت الشراكة بخروج الانتقالي؟

يطرح خروج المجلس الانتقالي من المشهد بصيغته السابقة سؤالًا سياسيًا وقانونيًا بالغ الأهمية حول مصير اتفاق الرياض لعام 2019.

فالاتفاق لم يكن مجرد تفاهم على ترتيبات أمنية وعسكرية بين الحكومة والمجلس، بل أسّس لشراكة سياسية اعترفت عملياً بالمجلس الانتقالي الجنوبي طرفاً رئيسيًا في المعادلة، ومهّدت لاحقًا لمشاركته في مؤسسات السلطة كشريك وطرف أساسي.

ومن هنا يبرز سؤال مهم: إذا كان الطرف الجنوبي الذي وقّع الاتفاق قد خرج من المشهد بصيغته السابقة، وما يجري حاليًا من محاولات تفكيك لبنيته العسكرية والسياسية والتنظيمية، فمن يمثل الجنوب في تلك الشراكة اليوم؟ وهل ما يزال اتفاق الرياض قائمًا بمرجعياته والتزاماته؟ أم أن الأساس السياسي الذي قامت عليه الشراكة مع الشرعية اليمنية قد تغيّر وتم الانقلاب عليه؟

والحقيقة أن محاولة إقصاء المجلس الانتقالي وإزاحته من المشهد السياسي والعسكري لا تعني سقوط القضية التي يمثلها، كما أن التطورات التي أعقبت يناير لم تُنهِ حضوره السياسي والشعبي؛ بل أظهرت استمرار التأييد والالتفاف الجماهيري الواسع للشارع الجنوبي حول قيادة المجلس الانتقالي الجنوبي ومشروعه السياسي بقيادة الرئيس عيدروس الزبيدي.

ولذلك لا يمكن اعتبار إقصاء المجلس الانتقالي إلغاءً تلقائياً للتمثيل السياسي الجنوبي، أو عودة إلى المعادلة التي سبقت اتفاق الرياض.

وهنا تبرز الحاجة إلى صيغة سياسية واضحة تعيد تعريف الشراكة، وتمثيل الجنوب، وحقوقه، وموقع قضيته في أي تسوية قادمة.


دور المملكة بعد أحداث يناير..من طرف راعٍ إلى طرف في الأزمة؟

هذا هو السؤال الأكثر حساسية، ويتعلق بالدور السعودي نفسه. فجميعنا يعلم أن المملكة رائدة التحالف العربي، وكانت الراعية الأساسية لاتفاق الرياض، وهي من قاد جهود التوفيق بين الحكومة والمجلس الانتقالي، كما ظلت القوة الإقليمية الأكثر تأثيرًا في الملف اليمني.

لكن تدخلها العسكري المباشر في أحداث حضرموت، واستهداف قوات جنوبية كانت جزءًا أساسيًا من المعسكر المناهض للحوثي، أوجد إشكالية سياسية يصعب فهمها أو تجاوزها. فكيف يمكن للمملكة، بوصفها قائدة للتحالف وأحد الرعاة الرئيسيين لمسار التسوية في اليمن، أن تستخدم القوة العسكرية ضد طرف حليف وشريك أساسي في الحرب ضد الحوثي، ثم تحتفظ في الوقت نفسه بموقع الوسيط والراعي والضامن بين الأطراف؟.

لا يعني طرح هذا السؤال تجاهل اعتبارات الأمن القومي السعودي أو حق المملكة في حماية مصالحها، لكنه يضع مسألتي الثقة السياسية وحياد الوساطة في صميم أي علاقة مستقبلية.

فالوساطة الفاعلة تحتاج إلى قدر مقبول من المسافة والثقة بين الراعي والأطراف السياسية، بينما يجعل التدخل العسكري المباشر المملكة، في نظر الطرف المستهدف على الأقل، أقرب إلى موقع الطرف في الأزمة منه إلى موقع الوسيط المحايد فيها.

ولهذا فإن استعادة الثقة تتطلب إعادة تعريف الدور السعودي، بحيث تنتقل العلاقة مع الجنوب من إدارة موازين القوى واحتواء الأزمات إلى رعاية تسوية سياسية واضحة تقوم على الشراكة والضمانات والالتزامات المتبادلة.


الأزمة لا تتوقف عند الجنوب..ماذا عن الحوثي؟

المشكلة لا تقتصر على إدارة الجنوب، بل تمتد إلى الاستراتيجية الأوسع لإدارة الأزمة اليمنية؛ فالتعامل مع الحوثي ما يزال معلقاً بين مسارين: لا حرب تحسم التهديد، ولا تسوية سياسية تنهيه.

وقد أثبتت تطورات البحر الأحمر وباب المندب أن الحوثي لم يعد مجرد طرف في نزاع يمني داخلي، بل أصبح جزءًا من شبكة النفوذ والردع الإيرانية في المنطقة. ومع اتساع التوتر الإقليمي، تعود الجغرافيا اليمنية إلى موقعها بوصفها ساحة شديدة الأهمية للأمن السعودي والخليجي، ولأمن الملاحة والتجارة والطاقة الدولية.

وهنا تظهر مفارقة استراتيجية واضحة: لا يمكن بناء استراتيجية مستقرة لمواجهة الحوثي والنفوذ الإيراني، وفي الوقت نفسه ترك الجنوب في حالة فراغ سياسي وانقسام مؤسسي واضطراب في بنيته العسكرية والأمنية.

فالجنوب، بما يمتلكه من موقع استراتيجي على باب المندب وخليج عدن والبحر العربي، وما يضمه من موانئ وسواحل ومنشآت حيوية، ليس ملفاً جانبياً في معادلة أمن المنطقة، بل أحد مرتكزاتها الجغرافية والعسكرية والسياسية.

السؤال ليس فقط: ماذا تريد الرياض؟ بل ماذا يريد الجنوب؟.

ومع ذلك، سيكون من الخطأ اختزال الأزمة كلها في غياب مشروع أو رؤية سعودية واضحة.

فالسؤال الذي ينبغي أن يشغلنا نحن الجنوبيين اليوم ليس فقط: ماذا تريد السعودية من الجنوب؟ وإنما، قبل ذلك: ماذا يريد الجنوب لنفسه؟.

الدول تتحرك وفق مصالحها، والتحالفات تتبدل، والسياسات الإقليمية تتغير. أما القضية التي لا تمتلك مشروعها وقيادتها ورؤيتها، فإنها تظل عرضة لأن تصبح جزءاً من مشروعات الآخرين. وهذا ربما يكون أحد أهم دروس يناير.

فالجنوب بحاجة اليوم إلى مشروع سياسي ورؤية واضحة تحددان الهدف والمسار والمآلات: ماذا يريد الجنوب؟ وكيف يدير المرحلة الحالية؟ وما شكل علاقته بالحكومة اليمنية؟ وكيف ينظم علاقاته مع السعودية والإمارات ودول الإقليم والمجتمع الدولي؟ وما الطريق السياسي الواقعي الذي يمكّن شعبه من تقرير مستقبله السياسي؟


قيادة للمرحلة..لا قيادة لردود الأفعال

لا يمكن لأي مشروع سياسي أن يعيش بلا قيادة ومؤسسات.

والمطلوب إطار قيادي جنوبي واسع يمتلك رؤية سياسية وعسكرية واقتصادية ودبلوماسية متكاملة، لا مجرد قيادة تنشغل بإدارة الأزمات اليومية أو بردود الأفعال على سياسات الآخرين.

قيادة قادرة على إعادة تنظيم القوى الجنوبية ضمن منظومة أمنية وعسكرية احترافية تحمي الأرض والحدود والسواحل والمنشآت الاستراتيجية، وفي الوقت نفسه تبني مؤسسة سياسية قادرة على التفاوض وتمثيل الجنوب أمام الإقليم والمجتمع الدولي.

ويمكن اختصار معادلة المرحلة في هدفين متلازمين: إدارة الجنوب وحماية أمنه ومصالحه في الحاضر، وضمان حق شعبه في تحديد مستقبله السياسي في القادم.


ثلاثة مسارات محتملة .. إلى أين يتجه الجنوب؟

يمكن تحديد ثلاثة مسارات محتملة لمستقبل الجنوب في المرحلة المقبلة:

المسار الأول: استمرار إدارة الأزمة وتأجيل الحل

إذا استمر الوضع الحالي، فقد تبقى المنطقة في حالة إدارة للأزمة بدلاً من حلها: احتواء للحوثي، وترتيبات جزئية ومؤقتة في الجنوب، وتأجيل للحلول النهائية.

وقد يمنع هذا المسار الانفجار مؤقتاً، لكنه لن يعالج جذور الصراع.

المسار الثاني: اتساع المواجهة الإقليمية

أما إذا توسعت المواجهة الإقليمية، فقد يعود اليمن إلى قلب الصراع، وعندها تصبح خطورة غياب المشروع الجنوبي أكبر؛ لأن الجنوب قد يجد نفسه ساحة في حرب واسعة من دون تصور واضح للمكسب السياسي الذي يريد الخروج به منها.

المسار الثالث: إعادة بناء المشروع الجنوبي

ويبقى المسار الثالث، وهو الأكثر أهمية: أن تستثمر القوى الجنوبية هذه المرحلة في إعادة بناء مشروعها وقيادتها ومؤسساتها، وأن تنتقل من انتظار ما ستقرره الرياض أو صنعاء أو أي عاصمة أخرى إلى صناعة موقعها بنفسها في المعادلة المقبلة.

نستخلص مما سبق: إن أحداث يناير لم تجب عن أسئلة الجنوب، بل فتحت أسئلة أكثر تعقيدًا مثل: هل ما يزال اتفاق الرياض قائمًا بعد خروج أحد طرفيه الرئيسيين من المشهد بصيغته السابقة؟ ومن يمثل الجنوب في أي شراكة سياسية جديدة؟ وكيف يمكن للمملكة استعادة موقع الراعي والضامن بعد تدخلها العسكري المباشر في أحداث يناير؟ وما استراتيجيتها تجاه الحوثي؟ وأين تقع القضية الجنوبية في تصورها للتسوية اليمنية المقبلة؟

هذه أسئلة بحاجه الى إجابات سياسية واضحة عنها.

لكن ثمة سؤال أكثر أهمية ينبغي أن نجيب عنه نحن الجنوبيون: ما مشروعنا نحن لمواجهة التحديات الماثله المفروضه؟.

فالجنوب لا يحتاج اليوم إلى إعادة إنتاج الماضي، ولا إلى انتظار مشروع يأتيه من الخارج، بل إلى رؤية وطنية تحدد الهدف والطريق، وإلى قيادة قادرة على تحويل هذه الرؤية إلى برنامج سياسي وعسكري واقتصادي ودبلوماسي قابل للتنفيذ.

لقد آن الأوان للانتقال من مرحلة انتظار ما يقرره الآخرون للجنوب إلى مرحلة امتلاك الجنوب قراره ومشروعه؛ من دون خصومة مجانية مع الحلفاء، ومن دون الارتهان لهم أيضًا.

فالعلاقة مع السعودية والإمارات وغيرهما ينبغي أن تقوم على المصالح المشتركة والشراكة والاحترام المتبادل، بما يحفظ مصالح الحلفاء، وفي الوقت نفسه يحترم إرادة الجنوبيين وحقهم في تحديد مستقبلهم.

وفي عالم المصالح والتحالفات المتغيرة، لا يكفي أن تمتلك قضية عادلة؛ بل يجب أن تمتلك مشروعًا، وقيادة، ومؤسسات، وأدوات قوة، ورؤية تعرف أين تريد الوصول وكيف تصل إليه.

وهذا هو التحدي الحقيقي للجنوب بعد يناير 2026.



الأكثر زيارة


العودة إلى الوطن مقابل محاكمة الزبيدي؟ ضغوط على وفد جنوبي في.

الإثنين/17/أغسطس/2026 - 11:37 م

كشفت الإعلامية هند أحمد عثمان العمودي عن معلومات تفيد بممارسة "ضغوط شديدة" على وفد جنوبي محتجز في الرياض، مقابل السماح له بالعودة إلى أرض الوطن. الشرط


ماجد الشعيبي: الرهان على الخارج خاسر.. ومستقبل الجنوب يصنعه .

الإثنين/17/أغسطس/2026 - 11:45 م

قال الإعلامي الجنوبي ماجد الشعيبي إنه وصل إلى قناعة بعدم ثقته في تحقيق الرياض لتطلعات الجنوب بالاستقلال، مشدداً على أن المستقبل يجب أن يُصنع من الداخل


استهداف الجنوب وقواته المسلحة.. هدية السعودية للحو.ثيين.

الثلاثاء/18/أغسطس/2026 - 12:06 ص

يعكس استهداف الجنوب العربي ومؤسساته العسكرية والأمنية أبعاداً خطيرة تتجاوز حدود الخلافات السياسية المعتادة، ليتحول إلى كلفة باهظة تدفعها القوات المسلح


بتوجيهات المحرمي ـ العميد الجهوري يزور جرحى اللواء الرابع حز.

الثلاثاء/18/أغسطس/2026 - 02:34 ص

قام رئيس عمليات المنطقة العسكرية الرابعة قائد المحور العملياتي الثاني مشاة وإسناد العميد الركن علي حسن الجهوري صباح يوم أمس الاثنين بزيارة تفقدية لجرح