حكاية الناقة التي حملت القـ.ـتلة إلى أهلها!
الثلاثاء - 25 أغسطس 2026 - 12:50 ص
صوت العاصمة/ بقلم / الرفيق لقمان الجريري
كانت الناقة تعرف القرية جيدًا؛ تعرف أهلها، وطرقاتها، وحقولها، واليد التي أطعمتها وسقتها وحمتها يوم كانت ضعيفة
لكن حين جاء الغرباء، اختارت أن تكون لهم مطيّة
حملتهم على ظهرها، ودلّتهم على الطرق المؤدية إلى القرية، حتى صاروا يصلون إلى أهلها من أقصر الطرق. كانت ترى الدم يسيل أمام عينيها، وتسمع صرخات من كانوا بالأمس أهل الأرض التي عاشت من خيرها، ومع ذلك لم تتوقف… لم يرف لها جفن، ولم تتحرك فيها ذرة وفاء
كانوا يصعدون على ظهرها محمّلين بما يريدون، وتنزل بهم إلى حيث يريدون، ثم تعود لتحمل غيرهم. وكلما أثقلوا عليها، انحنت أكثر؛ وكلما أشاروا إليها بطريق، مضت فيه
والأغرب أن الذين حملتهم إلى القرية لم يحفظوا لها جميلًا. بعدما انتهت حاجتهم إليها، تركوها على حالها، ثم عادوا إليها كلما أرادوا حمولة جديدة
حتى بلغ بهم الأمر أن يقفوا أمام الملأ، ويشيروا إليها ويتقهقهوا ساخرين منها، ويقولوا في حضورها: «هذه الناقة لم تعد بحاجة إلى الأكل، ولا إلى الشرب، ولا إلى الدواء». وكانوا يضحكون، وهي تسمع وترى، وتتقبل كل ذلك دون اعتراض، ثم ما تلبث أن تعود إلى ما اعتادت عليه: تحمل، وتمضي، وتطيع
أما القرية، فبقيت تنظر إليها بحسرة
هذه هي الناقة التي أطعمتها أرضنا، ثم حملت عليها من جاء ينهش أرضنا
هذه هي التي عرفت أصحابها، ثم دلّت الغريب على أبوابهم.
وهذه هي التي رأت الدم يسيل أمامها، ثم واصلت السير وكأن شيئًا لم يكن!
وما زالت إلى اليوم تحمل، وتمضي، وتطيع، وتنقل من خيرات الأرض لمن أوجعوا أهلها.
لكن للقرية ذاكرة، وللأرض ذاكرة، وللدم المسفوك ذاكرة.
قد تنسى الناقة ما فعلت، وقد يتظاهر الغرباء بأنهم نسوا… لكن الأرض لا تنسى من حمل إليها القتلة، ولا من دلّهم على الطريق.
الرفيق لقمان الجريري
#حضرموت