السباق النـ,ـووي يشتعل.. الصين تتقدم وأمريكا تستنفر لاستعادة الصدارة
الجمعة - 28 أغسطس 2026 - 02:30 م
صوت العاصمة/وكالات:
لم تعد المنافسة النووية بين الولايات المتحدة والصين تدور حول امتلاك التكنولوجيا الأكثر تطورا، بل حول من يستطيع تصنيع ونشر الطاقة النووية بأسرع وقت.
فعلى مدى العقدين الماضيين، تعاملت الولايات المتحدة مع الطاقة النووية كتقنية قديمة تحتاج إلى صيانة وهو افتراض يتعرض لضغوط في ظل تزايد إنتاج قطاع الطاقة النووية في الصين.
والآن، تتجه واشنطن وبكين نحو التخلص من حالة الركود التي ميزت جزءًا كبيرًا من صناعة الطاقة النووية بعد الحرب الباردة فتبني الصين مفاعلات بوتيرة لا مثيل لها في أي مكان في العالم، بينما تحاول الولايات المتحدة إعادة بناء منظومة صناعية قادرة على تصميم وتمويل وتنظيم وتصنيع ونشر التكنولوجيا النووية على نطاق واسع.
تحويل الطموح لقدرة
وهذه المنافسة ليست مجرد منافسة طاقة عادية بل أصبحت الطاقة النووية اختبارًا لقدرة نظامين اقتصاديين مختلفين تمامًا على تحويل الطموح التكنولوجي إلى قدرة صناعية فعلية، وفقا لما ذكره موقع "ناشيونال إنترست" الأمريكي.
وأشار الموقع إلى أن وتيرة البناء في الصين مذهلة، إذ تمتلك حاليًا 60 مفاعلًا نوويًا جاهزًا للتشغيل و37 مفاعلًا قيد الإنشاء، وفقًا لبيانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية التي تكشف أن ما يقرب من نصف إجمالي القدرة النووية قيد الإنشاء عالميًا تقع في الصين.
وفي 2025، كانت تسعة من أصل عشرة مشروعات نووية في العالم قد بدأت في الصين وقد زادت قدرة بكين على توليد الطاقة النووية بنسبة 76% بين عامي 2016 و2024، وأضافت البلاد 3.3 غيغاوات أخرى من القدرة في 2025 والأشهر الخمسة الأولى من 2026 في المقابل، لم تشغل الولايات المتحدة سوى ثلاثة مفاعلات جديدة منذ عام 1996.
ولا تكمن ميزة الصين في مجرد قرارها بناء المزيد من المفاعلات، بل في أنها أمضت سنوات في بناء نظام صناعي قادر على بناء نفس أنواع المفاعلات بشكل متكرر حيث تهيمن الشركات المملوكة للدولة على القطاع، ويرتبط التمويل ارتباطًا وثيقًا بالسياسة الحكومية، ويتزايد تكامل تصميم المفاعلات وهندستها وبنائها وتصنيعها وتشغيلها.
ويجسد مفاعل "هوالونغ وان" هذه الاستراتيجية. فقد انتقل تصميمه من مرحلة التطوير إلى مرحلة التشغيل المتسلسل، مع وجود عشرات الوحدات قيد التشغيل أو الإنشاء والنتيجة هي ميزة يصعب تكرارها من خلال الإنفاق على البحث وحده وهي التعلم بالممارسة.
ويساهم كل مفاعل تبنيه الصين في اكتساب خبرة في مجالات التوريد والبناء وتصنيع المكونات وإدارة المشروعات والتنظيم والتمويل وتطوير القوى العاملة.
من جانبها، بدأت الولايات المتحدة بالرد وكان التغيير الأبرز هو التغيير التنظيمي ففي مايو/أيار 2025، أمر الرئيس دونالد ترامب بمراجعة شاملة للوائح هيئة التنظيم النووي، وحدد هدفًا لإتمام تراخيص المفاعلات الجديدة في غضون 18 شهرًا.
وربطت إدارة ترامب بين نشر الطاقة النووية والأمن القومي فوجه أمر تنفيذي في مايو/أيار 2025 الحكومة الفيدرالية إلى تسريع تطوير وعرض ونشر وتصدير التقنيات النووية المتقدمة، ودعا إلى زيادة استثمارات القطاع الخاص في القاعدة الصناعية النووية وتوسيع قدرات تحويل وتخصيب اليورانيوم محليًا.
لكن الإصلاح التنظيمي ليس سوى جزء واحد من الرد الأمريكي فرؤوس الأموال الخاصة تعود للتدفق إلى التكنولوجيا النووية وشركات المفاعلات التي كانت تعمل سابقًا تستقطب المشروعات التي تعتمد بشكل أساسي على تمويل الأبحاث الحكومية كما أصبحت شركات التكنولوجيا أيضًا من المشاركين المهمين في النهضة النووية.
ولمشاركة القطاع الخاص أهمية استراتيجية، فلعقود طويلة، عانى تطوير الطاقة النووية من فجوة بين التطور التكنولوجي ووجود مستهلكين مستعدين لدفع ثمن الكهرباء الناتجة وأدى نمو مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي إلى ظهور فئة جديدة من كبار مستهلكي الكهرباء الذين يقدرون توليد الطاقة الموثوق والخالي من الكربون.
وتعمل الولايات المتحدة أيضًا على إعادة بناء كوادرها العاملة في المجال النووي. وتقدر وزارة الطاقة الأمريكية وجود حوالي 100 ألف موظف في القطاع النووي الذي يحتاج إلى نحو 375 ألف عامل بحلول 2050.
وفي 2026، منحت وزارة الطاقة أكثر من 49.7 مليون دولار لعشرة مشروعات في مجال السلامة النووية وتطوير القوى العاملة، بقيادة الجامعات ودعمت تمويلات منفصلة من وزارة الطاقة البنية التحتية النووية الجامعية، والبحوث، والزمالات، والتدريب، والشراكات الصناعية وهذا النظام المؤسسي هو تحديدًا ما فقدته الولايات المتحدة خلال عقود من البناء النووي المحدود.
ولا تحتاج واشنطن إلى تبني النموذج الاقتصادي الصيني لمنافسة بكين لكنها تحتاج إلى إعادة إنتاج الآثار الصناعية التي أحدثها النموذج الصيني.
تنافسية أمريكية
وتتمتع الولايات المتحدة بعدة مزايا فهي تمتلك أسواق رأس مال خاصة عميقة، وجامعات عالمية المستوى، وشركات تكنولوجيا قادرة على المنافسة عالميًا، وأسطولًا نوويًا كبيرًا مركبًا، وشركات هندسية متطورة، وعقودًا من البنية التحتية للبحوث النووية كما تمتلك نظامًا بيئيًا واسعًا من الشركات الريادية التي تسعى إلى تصميمات مفاعلات مختلفة جذريًا.
أما الصين، فلديها مزاياها الخاصة مثل مركزية صنع القرار، وقدرة هائلة على بناء البنية التحتية، وشركات مملوكة للدولة قادرة على استيعاب مبالغ ضخمة من رأس المال، وسلسلة توريد راسخة تُنتج المفاعلات بشكل متكرر.
لا يزال السؤال مطروحًا حول أي نظام يُمكنه تمكين النشر المتكرر على نطاق واسع بكفاءة أكبر. وهنا يجب أن تصبح السياسة الأمريكية أكثر طموحًا فينبغي لواشنطن أن تقيس القدرة التنافسية النووية ليس فقط بعدد المفاعلات التي تتلقى منحًا فيدرالية، بل بمدى قدرتها على تصنيع ونشر المفاعلات.
لذا، ينبغي أن يقترن الإصلاح التنظيمي بالاستثمار في الوقود النووي المحلي، وتصنيع المكونات، وقدرات البناء، والتعليم الهندسي، وبنية الاختبار التحتية، وتصاميم المفاعلات الموحدة.
كما ينبغي أن تمعن الحكومة النظر في الصادرات النووية حيث تروج الشركات النووية الصينية بشكل متزايد لتكنولوجيا المفاعلات الصينية في الخارج بينما يوفر النظام الصناعي المدعوم من الدولة للعملاء الأجانب حزمة متكاملة من التمويل والبناء والمعدات والتكنولوجيا.
وينبغي أن تنافس الولايات المتحدة على هذه الأسواق، نظرا للعائدات ولأن البنية التحتية النووية تنشئ علاقات تكنولوجية ودبلوماسية طويلة الأمد.
أخيرا، فإن التنافس الاستراتيجي لن يُحسم بناءً على الدولة التي تعلن عن تصميم المفاعل الأكثر طموحاً، بل بناء على الدولة التي تستطيع تحويل المعرفة الهندسية إلى بنية تحتية مادية على نطاق واسع.