حين يحتج الأكاديميون طلبًا للإنصاف.
الجمعة - 28 أغسطس 2026 - 02:17 ص
صوت العاصمة/ بقلم: علي ابو زياد الحاشي
من وحي الوقفة الاحتجاجية التي نظمتها منسقية ونقابة أعضاء هيئة التدريس وموظفي جامعة أبين، للمطالبة بالإنصاف وتحسين أوضاعهم المعيشية والوظيفية.
حين يخرج الأكاديميون وأساتذة الجامعات إلى ساحات الاحتجاج، ويقفون تحت اشعة الشمس رافعين اللافتات بحثًا عن الإنصاف، واحتجاجًا على أوضاع معيشية أنهكتهم، فاعلم أن الصبر قد بلغ منتهاه، وأن الوجع الذي ظل طويلًا حبيس القاعات الجامعية والمكاتب الأكاديمية لم يعد يحتمل الصمت.
إنها لحظة مؤلمة أن ترى حامل مشعل العلم، وصانع وعي الأجيال، وأحد أهم أعمدة بناء المجتمع، يقف محتجاً بعدما ضاقت به سبل العيش، وتراكمت عليه الأعباء، وأصبح راتبه عاجزاً عن ملاحقة أبسط متطلبات الحياة. والأشد إيلاماً أن يصل الحال بأستاذ الجامعة إلى البحث عن حقه في ساحات الاحتجاج، بدل أن يجد من يصغي إليه داخل مؤسسات الدولة التي يفترض أن تكون أول من يصون كرامته ويقدر مكانته.
أي بلدٍ هذا الذي يُهان فيه مثقفوه وأكاديميوه، وتُهمَّش فيه النخب التي أفنت أعمارها في التعليم والبحث والمعرفة، بينما يجد الفاسدون والانتهازيون طريقهم إلى مواقع النفوذ بسلاسة؟ مفارقة مؤلمة ان يُترك أصحاب الفضل والكفاءة يواجهون مصيرهم وحدهم.
إنها ليست مفارقة عابرة، بل جرحٌ عميق في جسد المجتمع، لأن إهانة الأستاذ الجامعي ليست إهانة لفرد، وإنما انتقاص من قيمة العلم نفسه، واستخفاف بمستقبل أجيال بأكملها.
والأكثر إثارة للاستنكار أن يحدث ذلك في ظل حكومة يفترض أنها تحظى بدعم إقليمي واسع، وفي مقدمته الدعم السعودي، بينما تظل أوضاع الأكاديميين وموظفي الجامعات تراوح مكانها، وتتفاقم معاناتهم يوماً بعد آخر.
يا قومنا، إن الجامعة ليست مجرد مبانٍ وقاعات ومحاضرات، إنها مصنع العقول، وفضاء صناعة المستقبل، ومختبر الأفكار التي تشكل المجتمع. فإذا أُنهك الأستاذ، تراجع عطاؤه، وإذا تراجع عطاؤه تراجع مستوى الطالب، وإذا تراجع مستوى الطالب خسر المجتمع جيلًاً كاملاً من الكفاءات.
فيا من بيدكم القرار، لا تنتظروا أن تنطفئ آخر مصابيح المعرفة حتى تدركوا حجم الكارثة.
استمعوا إلى الأكاديميين، وأنصفوا أساتذة الجامعات وموظفيها، وأعيدوا الاعتبار للعلم وأهله، ووفروا لهم حياة تحفظ كرامتهم وتتيح لهم القيام برسالتهم. فالأستاذ الجامعي ليس رقماً في كشف الرواتب، إنه شريك أساسي في صناعة الإنسان، والإنسان هو أعظم ما تملكه الأوطان.
إن مشهد الأكاديميين وهم يقفون في ساحات الاحتجاج يجب ألا يُقرأ بوصفه مشهداً احتجاجياً عابراً، بل بوصفه جرس إنذار مدوياً. وحين يصل أصحاب الأقلام والبحوث والمحاضرات إلى الشارع، فهذا يعني أن الجهات المعنية لم تعد تسمع، وأن صبر المعلم قد تجاوز حدود الاحتمال.
لقد آن الأوان أن نرى معالجات وحلولاً تحفظ للأكاديميين حقوقهم، وللجامعات مكانتها، وللطلبة حقهم في تعليم مستقر، وللمجتمع حقه في مستقبل تصنعه الكفاءات لا الأزمات.
لا تدعوا مشاعل التنوير تخبو، فالبلد الذي يهمل أكاديميه ويتركهم للجوع والإحباط إنما يفرّط في أثمن ثرواته:«العقول».
أنصفوا الأكاديميين قبل أن تخسروا الجامعة، واحفظوا كرامة الأستاذ قبل أن تدفع الأجيال القادمة ثمن هذا الإهمال.